الأزهر الشريف.. حكاية جامع تحول إلى قلعة للعلم ومنارة للوسطية
من قلب القاهرة التاريخية، يقف الجامع الأزهر شاهدًا على أكثر من ألف عام من التاريخ، جامعًا بين مكانته الدينية ودوره العلمي والثقافي، ليصبح واحدًا من أبرز المؤسسات الإسلامية في العالم، وحصنًا للفكر الوسطي ومنارة للعلم والتجديد.
ويُعد الجامع الأزهر رابع جامع أُنشئ في مصر منذ الفتح الإسلامي، كما يُنظر إليه بوصفه من أقدم المؤسسات التعليمية المستمرة في العالم، إذ ارتبط منذ نشأته بدور علمي وتعليمي تجاوز حدود مصر إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
من جوهر الصقلي إلى أول صلاة جمعة
بدأت قصة الجامع الأزهر عقب دخول الفاطميين إلى مصر وتأسيس مدينة القاهرة، التي عُرفت لاحقًا بمدينة الألف مئذنة. ففي عام 970 ميلادية، أمر القائد جوهر الصقلي بالإشراف على بناء الجامع بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي.
ووُضع حجر أساس الجامع في الرابع عشر من رمضان سنة 359 هجرية، قبل أن تُقام أول صلاة جمعة فيه عقب الانتهاء من تشييده، في 22 يونيو عام 972 ميلادية، خلال شهر رمضان المبارك.
ولم يقتصر دور الجامع منذ بداياته على إقامة الشعائر الدينية، إذ سرعان ما تحول إلى مركز للعلم والدراسة، حيث جرى تعيين عدد من العلماء للتدريس به، إلى جانب تزويد مكتبته بالآلاف من الكتب والمخطوطات، ما جعله مقصدًا لطلاب العلم من مناطق مختلفة.
لماذا سُمي بالأزهر؟
تعددت الروايات حول سبب تسمية الجامع بـ«الأزهر»، ويرى عدد من الباحثين أن الاسم جاء تيمنًا بالسيدة فاطمة الزهراء، ابنة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، بينما تربط روايات أخرى التسمية بالقصور الزاهرة التي أطلق الخلفاء الفاطميون اسمها على قصورهم، في إشارة إلى ما أحاط بها من حدائق ومظاهر للبهاء.
ومع مرور الزمن، أصبح اسم الأزهر مرتبطًا ليس بالجامع فقط، وإنما بالمؤسسة العلمية والدينية التي تشكلت حوله، وأصبح رمزًا من رموز التعليم الإسلامي في العالم.
بين الإهمال والازدهار
شهد الأزهر مراحل مختلفة من القوة والازدهار، خاصة خلال العصر الفاطمي، قبل أن تتراجع مكانته في بدايات العصر الأيوبي، في ظل ارتباطه في نشأته بالدولة الفاطمية ومذهبها.
لكن الجامع عاد إلى الواجهة من جديد خلال العصر المملوكي، الذي يعده كثير من المؤرخين عصرًا ذهبيًا للأزهر، حيث شهد توسعات معمارية كبيرة، وازدهرت فيه الحركة العلمية، وتعززت مكانته بوصفه أحد أهم مراكز العلم في العالم الإسلامي.
واهتم سلاطين المماليك بإضافة العديد من العناصر المعمارية إلى الجامع، وكان من أبرزها المآذن التي أصبحت إحدى العلامات المميزة له، ومن بينها مئذنة السلطان قايتباي، إلى جانب المئذنة المزدوجة التي تعود إلى عصر السلطان الغوري.
وفي العصر العثماني، احتفظ الجامع الأزهر بمكانته الدينية والعلمية، وظل مقصدًا للعلماء وطلاب العلم، رغم أن مراحل هذا العصر لم تشهد القدر نفسه من التوسع والرعاية المعمارية التي عرفها في العصر المملوكي.
الأزهر.. من حلقات العلم إلى الجامعة الحديثة
ظل الأزهر عبر قرون طويلة قائمًا على حلقات العلم والدروس التي كان يقدمها العلماء داخل أروقته، قبل أن يشهد تطورًا مؤسسيًا كبيرًا في العصر الحديث.
ومع تطور نظام التعليم في مصر، شهد الأزهر تحولات مهمة في بنيته التعليمية والإدارية، وصولًا إلى صدور القانون رقم 103 لسنة 1961، الذي أعاد تنظيم مؤسسة الأزهر وأنشأ نظامًا حديثًا لجامعة الأزهر وكلياتها.
وبذلك انتقل الأزهر من نموذج حلقات العلم التقليدية إلى مؤسسة تعليمية حديثة تضم عددًا كبيرًا من الكليات والمعاهد، مع احتفاظه بدوره الديني والعلمي والتاريخي.
شيخ الأزهر.. قيادة مؤسسة تجاوزت حدود المكان
يمثل شيخ الأزهر أعلى منصب في المؤسسة الأزهرية، ويتولى قيادة واحدة من أقدم المؤسسات الدينية والعلمية في العالم الإسلامي.
وقد تطور منصب شيخ الأزهر عبر المراحل التاريخية المختلفة، ليصبح أحد أبرز المناصب الدينية في مصر والعالم الإسلامي، خصوصًا مع اتساع الدور الذي يؤديه الأزهر في نشر الفكر الوسطي، ومواجهة الأفكار المتطرفة، وتعزيز الحوار بين الشعوب والثقافات.
وبين مآذنه التاريخية وأروقته التي احتضنت العلماء وطلاب المعرفة على مدار قرون، لا يزال الأزهر الشريف حاضرًا بوصفه مؤسسة تجاوزت حدود المكان والزمان.
فمنذ تأسيسه قبل أكثر من ألف عام، لم يكن الأزهر مجرد مسجد أو صرح معماري في قلب القاهرة، بل تحول إلى مدرسة للفكر، ومنارة للعلم، ومؤسسة دينية وثقافية حملت رسالة الإسلام إلى أنحاء واسعة من العالم.
وهكذا يبقى الأزهر الشريف، بكل ما مر به من تحولات وتحديات، واحدًا من أهم رموز القوة الناعمة المصرية، و«حصنًا للوسطية»، وذاكرة حية لتاريخ طويل لا يزال ممتدًا في الحاضر، ومتطلعًا إلى المستقبل.










