هل رمسيس الثاني هو فرعون موسى!
عاد الجدل حول هوية فرعون موسى، بعد طرح عالم المصريات ووزير الآثار الأسبق الدكتور ممدوح الدماطي، الذي يرى أن الملك رمسيس الثاني هو أقرب شخصية تاريخية إلى الفرعون الوارد في النصوص الدينية، مستندًا إلى شواهد أثرية وجغرافية وزمنية.
وجاءت تصريحات الدماطي خلال فعالية استضافها «صالون نفرتيتي الثقافي» بقصر الأمير طاز، تحت عنوان «فرعون موسى بين النصوص الدينية والشواهد الأثرية»، حيث استعرض نظريته التي تناولها في كتابه «فرعون موسى وخروج بني إسرائيل من مصر»، موضحًا أن إعداد الكتاب استغرق نحو 15 عامًا.
ويربط الدماطي بين رمسيس الثاني ومدينة «بر-رمسيس» في منطقة قنتير بمحافظة الشرقية، إلى جانب طول فترة حكمه التي بلغت نحو 66 عامًا، وبعض المظاهر المرتبطة بتأليه الملك في عهده. كما يرى أن أحداث الخروج لم تقع في البحر الأحمر، وإنما في بحيرة قديمة بمنطقة وادي الطميلات.
لكن عند وضع الرواية الدينية إلى جانب المعطيات التاريخية والأثرية، تظهر مجموعة من التساؤلات التي تضعف ترجيح رمسيس الثاني باعتباره فرعون موسى، خاصة ما يتعلق بمصير فرعون، ومومياء رمسيس الثاني، وبقاء منشآته وآثاره، إلى جانب عدد من التفاصيل المرتبطة بأسرته والتسلسل الزمني للأحداث.
فاليوم ننجيك ببدنك
تأتي مومياء رمسيس الثاني في مقدمة الدلالات التي تفتح باب التساؤل حول الربط بينه وبين فرعون موسى، إذ يقول الله تعالى: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً».
وتشير الآية إلى نجاة بدن فرعون ليكون آية لمن بعده، بينما مومياء رمسيس الثاني معروفة تاريخيًا، وعُثر عليها ضمن خبيئة المومياوات الملكية، وهو ما يجعل المقارنة بين النص القرآني ومومياء رمسيس الثاني مطروحة، لكنه في الوقت نفسه يفتح سؤالًا مهمًا: هل تتطابق بالفعل شخصية فرعون المذكورة في القرآن مع الملك رمسيس الثاني؟
فوجود مومياء محفوظة لرمسيس الثاني لا يمثل وحده دليلًا على كونه فرعون موسى، كما أن ربط المومياء بالآية يحتاج إلى إثبات أن صاحبها هو بالفعل الشخصية المقصودة في القصة الدينية.
ودمرنا ما كان يصنع فرعون
ومن أبرز الدلالات التي تثير التساؤل أيضًا قوله تعالى: «وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ».
وعند النظر إلى رمسيس الثاني، نجد أن عهده ارتبط بواحدة من أكثر الفترات التي خلفت آثارًا ضخمة في مصر القديمة، ولا تزال منشآته وتماثيله ونقوشه موجودة حتى اليوم، ومن أشهرها معابد أبو سمبل والرامسيوم، إلى جانب عدد كبير من الآثار التي تحمل اسمه.
وهنا تظهر إحدى نقاط التساؤل: إذا كان رمسيس الثاني هو فرعون المقصود في قصة موسى، فكيف يمكن تفسير هذا الكم الكبير من المنشآت والآثار المرتبطة بعصره والتي بقيت حتى اليوم؟
ولا يمكن اعتبار بقاء هذه الآثار وحده دليلًا قاطعًا على استبعاد رمسيس الثاني، لكنه يمثل قرينة تستحق البحث عند مقارنة الرواية القرآنية بالمعطيات الأثرية.
أنا ربكم الأعلى
وتقدم الرواية القرآنية صورة واضحة لطبيعة فرعون، ومن أبرز ما ورد على لسانه: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ»، وكذلك قوله: «مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي».
وتشير هذه الآيات إلى صورة حاكم ينسب إلى نفسه مكانة دينية مطلقة ويواجه دعوة موسى بالإنكار والتحدي، وهي صورة دينية لها سياقها الخاص، ولا يمكن إسقاطها على ملك مصري بعينه اعتمادًا على تشابهات عامة فقط.
ومن هنا، فإن القول بأن رمسيس الثاني هو فرعون موسى يحتاج إلى أكثر من مجرد توافق زمني أو جغرافي، بل يتطلب أدلة تاريخية وأثرية مباشرة تربط الملك بالأحداث الواردة في قصة موسى.
أبناء رمسيس الثاني
وتبرز كذلك مسألة أبناء رمسيس الثاني ضمن المقارنات التي تُطرح حول هويته، إذ تشير الأدلة التاريخية إلى أن الملك كان له عدد كبير من الأبناء والبنات، وكان له نسل وأسرة ملكية كبيرة ارتبطت بفترة حكمه الطويلة.
وتكشف الآثار والنقوش عن حضور عدد من أبنائه في الحياة الملكية، وهو ما يجعل تاريخ الأسرة الملكية في عصر رمسيس الثاني مختلفًا في تفاصيله عن الصورة التي يحاول البعض إسقاطها مباشرة على قصة فرعون موسى.
آثار رمسيس.. قرينة أخرى
لم يقتصر ما بقي من عصر رمسيس الثاني على تمثال أو نقش واحد، وإنما ترك الملك عددًا كبيرًا من المنشآت والتماثيل والنقوش في مواقع مختلفة من مصر، وهو ما جعل عهده من أكثر العهود المصرية القديمة حضورًا في السجل الأثري.
ومن أبرز ما ارتبط باسمه معابد أبو سمبل والرامسيوم، بالإضافة إلى تماثيل ونقوش في عدد من المواقع الأثرية، وهذه الحقيقة تضعف الاعتماد على فكرة أن رمسيس الثاني هو بالضرورة فرعون القصة لمجرد وجوده في فترة زمنية تُربط أحيانًا بالخروج، لأن تحديد الشخصية يحتاج إلى توافق أكثر شمولًا بين النص الديني والتاريخ والآثار.
التسلسل الزمني
ويظل التسلسل الزمني من أهم النقاط في قضية تحديد فرعون موسى، إذ إن الأمر لا يتعلق فقط بمعرفة اسم ملك عاش في مصر في فترة معينة، وإنما يتطلب تحديد الفترة التي عاش فيها موسى، والفترة التي وُجد فيها بنو إسرائيل في مصر، ثم مقارنة ذلك بفترة حكم الملك المرشح.
وبالتالي، فإن وجود رمسيس الثاني في إطار زمني مناسب وفق بعض الطروحات لا يعني تلقائيًا أنه فرعون موسى، خاصة في ظل عدم وجود نقش أثري مباشر يقول إن رمسيس الثاني هو الملك الذي ارتبط بأحداث الخروج.
لماذا لا يكفي اسم رمسيس؟
ارتباط رمسيس الثاني بمدينة «بر-رمسيس»، وضخامة منشآته، وطول فترة حكمه، كلها أسباب جعلت اسمه حاضرًا بقوة في النقاش حول فرعون موسى، لكنها لا تمثل وحدها دليلًا حاسمًا.
فإثبات أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى يحتاج إلى حل مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالتسلسل الزمني، والأحداث التي وقعت في قصة الخروج، والهوية التاريخية للملك، ومدى توافق المعطيات الأثرية مع الرواية الدينية.
وفي المقابل، فإن وجود مومياء رمسيس الثاني وبقاء منشآته وآثاره وتعدد الشواهد المرتبطة بعصره يجعل طرح اسمه باعتباره فرعون موسى بحاجة إلى مراجعة ومناقشة، وليس مجرد نتيجة تُبنى على التشابه الزمني أو الجغرافي.





