حسين عبدالبصير: السنة المصرية القديمة كانت تحكي دورة الحياة نفسها |خاص
قال الدكتور حسين عبدالبصير، عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن بداية السنة المصرية في الأول من شهر توت لها جذور عميقة جدًا في علاقة المصري القديم بالطبيعة والسماء والنيل.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الشعوب التي أدركت أهمية تنظيم الزمن، لأن حياتهم كانت مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالزراعة ودورة نهر النيل.
وأضاف أن من أهم الظواهر التي لفتت انتباه المصريين القدماء ظهور نجم «سبدت»، وهو النجم المعروف حاليًا باسم «سيريوس»، في الأفق الشرقي قبيل شروق الشمس، بعد فترة من اختفائه عن الأنظار.
وأشار إلى أن هذا الظهور كان يتزامن في مصر القديمة، على نحو تقريبي، مع بداية موسم الفيضان، ولذلك أصبح علامة مهمة على بداية دورة جديدة من الحياة والسنة.
ومع مرور الزمن، أصبح الشهر الأول في السنة المصرية هو شهر توت، واستمر هذا التقليد في التقويم القبطي، الذي يُعد امتدادًا مباشرًا للتقويم المصري القديم.
وأوضح أن العام القبطي يبدأ في الأول من توت، الذي يوافق في العصر الحديث عادة يوم 11 سبتمبر، وقد يوافق 12 سبتمبر في بعض السنوات بحسب نظام السنوات الكبيسة.
تقويم دقيق
وعن كيفية تمكن المصريين القدماء من وضع تقويم دقيق وتنظيم الزراعة والحصاد من خلاله، قال عبدالبصير إن المصري القديم لم يصنع تقويمه فجأة، وإنما جاء هذا التقويم نتيجة ملاحظات طويلة ودقيقة للطبيعة.
وأوضح أن المصري القديم كان يراقب الشمس والنجوم، ويراقب نهر النيل، ويتابع تغير الفصول ومواعيد نمو النباتات.
وأضاف أن المصريين قسموا السنة إلى 365 يومًا، وكانت السنة تتكون من 12 شهرًا، كل شهر 30 يومًا، ثم أضافوا في نهاية السنة خمسة أيام إضافية، عُرفت في الدراسات الحديثة بالأيام الزائدة أو الأيام النسئية.
وأكد أن هذا التنظيم كان مهمًا جدًا للحياة الزراعية والإدارية والدينية، فالدولة كانت تحتاج إلى معرفة مواعيد الزراعة والحصاد، وتحديد الأعياد والاحتفالات، وتنظيم العمل وجمع الضرائب وإدارة شؤون المجتمع.
وأشار إلى أنه من المهم توضيح أن التقويم المدني المصري المكون من 365 يومًا لم يكن يحتوي في البداية على يوم كبيس، ولذلك كان يتراجع تدريجيًا بالنسبة للسنة الشمسية الحقيقية.
ومع ذلك، ظل هذا النظام الزمني شديد الأهمية والدقة من الناحية العملية، واستمر استخدامه وتأثيره عبر آلاف السنين.
دورة النيل
وعن العلاقة بين التقويم المصري القديم وحركة النيل ومواعيد الفيضان، قال عبدالبصير إن النيل هو مفتاح فهم الحياة في مصر القديمة، ولذلك كان من الطبيعي أن تكون دورة السنة مرتبطة بدورة النهر.
وأوضح أن الفيضان كان يمثل بداية مرحلة جديدة، حيث تأتي مياه النيل من الجنوب، وترتفع تدريجيًا، وتغمر مساحات واسعة من الأراضي، ثم تترك وراءها طبقة من الطمي ساعدت على تجدد خصوبة الأرض.
وأضاف أنه بعد انحسار المياه تبدأ مرحلة الزراعة، ثم يأتي موسم نمو المحاصيل، وبعد ذلك موسم الحصاد.
وأشار إلى أن حياة المصري القديم كانت تسير في دورة واضحة: الفيضان، ثم الزراعة والنمو، ثم الحصاد، ومن هذه الدورة الطبيعية جاءت فكرة تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول رئيسية.
وأوضح أن ظهور نجم «سبدت» كان له أهمية كبيرة، لأنه كان يمثل علامة سماوية مرتبطة ببداية الدورة السنوية.
ولفت إلى أنه من الناحية العلمية يجب الانتباه إلى أن العلاقة بين ظهور النجم وموعد الفيضان لم تكن ثابتة بصورة متطابقة في كل العصور، بسبب التغير التدريجي الناتج عن طبيعة التقويم وحركة الزمن.
ثلاثة فصول
وعن أسباب تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول هي «أخت» و«برت» و«شمو»، أوضح عبدالبصير أن المصري القديم لم يقسم السنة بشكل نظري أو عشوائي، وإنما قسمها على أساس ما كان يراه في الطبيعة وحياته اليومية.
وقال إن الفصل الأول هو «أخت»، ومعناه الفيضان، وهو الفصل الذي ترتفع فيه مياه النيل وتبدأ دورة جديدة من الخصوبة والحياة.
وأوضح أن هذه الفترة كانت بالغة الأهمية، لأن الفيضان هو الذي يمنح الأرض الماء والطمي.
وأضاف أن بعد ذلك يأتي فصل «برت»، ومعناه الظهور أو الخروج، وهو الوقت الذي تبدأ فيه المياه في الانحسار، وتظهر الأرض من جديد، ويبدأ الفلاح في إعدادها للزراعة، ثم تنمو النباتات.
أما الفصل الثالث فهو «شمو»، وهو فصل الحصاد والجفاف، وفيه يجمع الفلاح ثمار عمله، وتحصد المحاصيل التي نمت خلال الموسم الزراعي.
وأكد أن السنة المصرية القديمة كانت تحكي قصة الحياة نفسها، حيث يبدأ الأمر بالماء، ثم تظهر الأرض، ثم تنمو النباتات، ثم يأتي الحصاد، وبعد ذلك تبدأ الدورة من جديد.
عبقرية المصري القديم
وأوضح أن التقويم المصري القديم كان واحدًا من أعظم الإنجازات العلمية والحضارية في تاريخ مصر القديمة، لأنه لم ينظم الوقت فقط، بل نظم حياة مجتمع كامل لآلاف السنين.
واختتم عبدالبصير حديثه بالتأكيد على أن عبقرية المصري القديم ظهرت في أنه لم يكن ينظر إلى الزمن باعتباره مجرد أيام تمر، وإنما باعتباره دورة متصلة بين الإنسان والطبيعة والسماء والنهر.





