قصف بيروت 1840.. كيف حسمت بريطانيا صراع محمد علي في بلاد الشام؟
في مثل هذه الأيام من عام 1840، شهدت بيروت واحدة من أبرز المحطات في تاريخها الحديث، عندما تعرضت لقصف من البحرية البريطانية بهدف إرغام محمد علي باشا على الانسحاب من بلاد الشام، في تطور جاء بعد سنوات من التوسع المصري والصراع مع الدولة العثمانية، وسط تنافس دولي على النفوذ في المشرق العربي.
ولم يكن قصف بيروت مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جاء في إطار صراع إقليمي ودولي واسع حول مشروع محمد علي باشا وتوسع نفوذه في بلاد الشام، بعدما أثار ذلك مخاوف القوى الأوروبية، التي كانت تتابع عن كثب تراجع قوة الدولة العثمانية وصعود قوة إقليمية جديدة في المنطقة.
توسع محمد علي
بدأت القصة مع توسع محمد علي باشا، والي مصر، عقب انتصاراته العسكرية على السلطان العثماني، حيث تمكنت قواته بقيادة ابنه إبراهيم باشا من السيطرة على بلاد الشام منذ عام 1831.
وأثار هذا التوسع قلق القوى الأوروبية، التي اعتبرت تنامي قوة محمد علي تهديدًا لتوازن القوى في الشرق، خاصة مع ضعف الدولة العثمانية، والمخاوف من تحول مصر إلى قوة إقليمية مستقلة تنافس النفوذ الأوروبي في المنطقة.
وجاءت معركة قونية عام 1832 لتزيد من تلك المخاوف، بعدما كادت قوات محمد علي باشا تفتح الطريق أمامها نحو إسطنبول، ثم جاءت معاهدة كوتاهية عام 1833، التي منحت مصر السيطرة الفعلية على بلاد الشام، وهو ما لم يرضِ السلطان العثماني محمود الثاني ولا القوى الكبرى.
تدخل بريطانيا
رأت بريطانيا أن توسع محمد علي باشا يمثل تهديدًا لمصالحها، خاصة طرق تجارتها إلى الهند، كما خشيت من اتساع النفوذ الفرنسي في المشرق، في ظل ميل باريس إلى دعم مشروع محمد علي.
ومع تصاعد الأزمة، وقعت بريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا معاهدة لندن في يوليو 1840، والتي نصت على إجبار محمد علي باشا على الانسحاب من بلاد الشام، مقابل الاعتراف به واليًا وراثيًا على مصر فقط.
لكن محمد علي باشا رفض شروط المعاهدة، لتتحرك بريطانيا عسكريًا، وتدفع بأسطولها بقيادة الأميرال نابير إلى السواحل اللبنانية.
قصف بيروت
في سبتمبر 1840، بدأت الحملة البحرية البريطانية بقصف مدينة بيروت ومواقع الجيش المصري، ثم أعقب ذلك إنزال قوات دعمت انتفاضات محلية ضد الحكم المصري.
ومع استمرار الضغط العسكري والسياسي، ازدادت صعوبة موقف محمد علي باشا، إلى أن اضطر في ديسمبر 1840 إلى قبول التسوية والانسحاب من بلاد الشام نهائيًا، لتنتهي بذلك مرحلة مهمة من مشروع التوسع المصري خارج حدود مصر.
نهاية المشروع
كان انسحاب محمد علي باشا من بلاد الشام نقطة تحول كبيرة في تاريخ المنطقة، إذ انتهى المشروع الذي كاد أن يؤدي إلى قيام قوة عربية مركزية واسعة النفوذ خارج إطار الدولة العثمانية، بينما عززت بريطانيا نفوذها في شرق البحر المتوسط.
أما بيروت، فقد دفعت ثمنًا كبيرًا جراء القصف والقتال، ودخلت بعد تلك الأحداث مرحلة جديدة أصبحت خلالها واحدة من ساحات التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة.
وبعد مرور أكثر من 180 عامًا على أحداث عام 1840، لا يزال قصف بيروت يُستحضر باعتباره محطة مهمة تكشف طبيعة الصراع على النفوذ في المشرق، وكيف تداخلت المصالح الإقليمية والدولية في رسم مستقبل المنطقة خلال القرن التاسع عشر.





