رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رحلة إلى العالم الآخر منذ 4 آلاف عام.. «متون التوابيت» ضمن إصدارات القومي

إيجبتكِ

يواصل المركز القومي للترجمة، في إطار إصدارات وزارة الثقافة التي تسعى إلى إعادة قراءة التراث الإنساني والتعريف بكنوزه، تقديم أعمال تفتح نوافذ جديدة على الحضارات القديمة، ومن بينها كتاب «متون التوابيت المصرية القديمة.. مختارات»، الذي يتناول واحدًا من أكثر جوانب الحضارة المصرية القديمة إثارة، وهو تصور المصري القديم لرحلة الإنسان إلى العالم الآخر، كما سجلتها نصوص بقيت حاضرة رغم مرور آلاف السنين.

أسئلة الخلق

يستهل الكتاب رحلته بمقطع من المتن الثلاثين بعد المائة والألف، يقول فيه: «صنعتُ الرياح الأربع، كي يتنفَّس كل إنسان بها كصنوه، في جهته، وصنعتُ الفيضان الكبير، كي يشتدَّ البائس به مثل الكبير»، ليكشف النص منذ بدايته عن عالم فكري لا يقتصر على الطقوس المرتبطة بالموت، وإنما يمتد إلى أسئلة الخلق والعدالة والإنسان ومصيره.

ويعكس النص جانبًا من الرؤية التي حملتها «متون التوابيت»، والتي لم تكن مجرد تعاويذ أو نصوص جنائزية، وإنما تضمنت تصورات وأسئلة تتصل بحياة الإنسان وعلاقته بالعالم والآلهة، وما ينتظره بعد الموت.

رحلة أخروية

ومنذ أكثر من أربعة آلاف عام، وفي أعقاب حراك اجتماعي واسع ارتبط بتداعي الدولة القديمة، بدأ الأدب المصري المكتوب انطلاقته الكبرى، في ظل مساحة أكبر مكّنت الفرد من التعبير عن ذاته. وفي الأدب الديني، جاءت «متون التوابيت» واحدة من أبرز تجليات هذا التعبير، إذ صورت رحلة الإنسان في العالم الآخر من خلال شخصيات وأقنعة وأردية ورموز إلهية تجسد آماله ومخاوفه وهواجسه.

وتتوزع هذه الرحلة بين مشاهد متعددة، تتكامل في مجموعها لتقدم صورة غنية عن رؤية المصري القديم للحياة والموت وما بعدهما، حيث لا يظهر العالم الآخر باعتباره مجرد محطة نهائية، وإنما فضاءً تتقاطع داخله الرغبة في النجاة مع البحث عن الخلود، والمخاوف مع الأحلام، والأسئلة حول المصير والوجود.

«الكوميديا الإلهية»

وتبدو «متون التوابيت» في بعض جوانبها أشبه بـ«الكوميديا الإلهية» المصرية القديمة، بما تحمله من رحلة تتعدد فيها الشخصيات والمشاهد والأقنعة، وتنطلق في جوهرها من سؤال إنساني ممتد عبر العصور: ماذا ينتظر الإنسان بعد أن يعبر حدود الحياة؟

ويمنح هذا التصور النصوص بعدًا إنسانيًا يتجاوز زمن كتابتها، إذ تكشف عن مخاوف وأسئلة ارتبطت بالإنسان منذ أقدم الحضارات، وفي مقدمتها الخوف من الموت، والرغبة في النجاة، والسعي إلى الخلود وفهم المصير.

ترجمة مصرية قديمة

ويضم الكتاب مختارات من «متون التوابيت» مترجمة مباشرة عن اللغة المصرية القديمة على يد أشرف محمد فتحي، في محاولة لسد جانب من النقص في المكتبة العربية المتخصصة في هذا المجال، وإتاحة جانب مهم من الأدب المصري القديم أمام القارئ العربي.

ولا يقدم الكتاب هذه النصوص باعتبارها آثارًا بعيدة عن القارئ المعاصر، وإنما بوصفها نصوصًا تحمل أسئلة إنسانية ما زالت حاضرة، حول الخوف والعدالة والخلود والمصير، بما يسمح بإعادة اكتشاف جانب من الفكر المصري القديم من خلال كلماته نفسها.

ويتيح «متون التوابيت المصرية القديمة.. مختارات» للقارئ الاقتراب من نصوص كُتبت قبل آلاف السنين، لكنها لا تزال تحمل أسئلة الإنسان الأولى عن الحياة والموت وما بعدهما، لتؤكد قدرة الأدب على تجاوز زمنه، والاحتفاظ بالأسئلة الإنسانية الكبرى حتى بعد مرور آلاف السنين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء