«زي النهارده».. ألبرت شوايتزر الطبيب والفيلسوف الذي كرّس حياته لخدمة الإنسان
تحل اليوم ذكرى وفاة الطبيب والفيلسوف وعالم الدين والموسيقي الألماني ألبرت شوايتزر، الذي رحل في 4 سبتمبر عام 1965، بعد مسيرة حافلة بالعلم والفكر والعمل الإنساني، جعلته واحدًا من أبرز الشخصيات التي جمعت بين دراسة الطب والفلسفة واللاهوت والموسيقى، إلى جانب إسهاماته الإنسانية التي ارتبطت بشكل خاص بإنشاء وإدارة مستشفى في لامباريني بالجابون.
ولد ألبرت شوايتزر في 14 يناير عام 1875 بألمانيا، واهتم منذ سنواته الأولى بالعلم والفكر والموسيقى، قبل أن تتسع اهتماماته لتشمل الطب والعمل الإنساني. وقامت رؤيته الفكرية على مبدأ «تقديس الحياة»، إذ رأى أن احترام الحياة بكل أشكالها يمثل أعلى قيمة أخلاقية ينبغي للإنسان أن يتمسك بها، وربط بين الحياة والحب باعتبارهما قائمين على احترام مختلف مظاهر الوجود الإنساني والروحي.
فلسفة تقوم على احترام الحياة
رأى شوايتزر أن الأخلاق الحقيقية ترتبط بإرادة الإنسان في الحياة، وأن عليه ألا يستسلم للنزعة الانهزامية، مؤكدًا أن الرغبة في العيش تتجدد باستمرار وتتطور مع الإنسان. كما انتقد ما اعتبره تراجعًا أخلاقيًا وفكريًا في الحضارة الغربية، ورأى أن ابتعادها عن الأسس الأخلاقية كان أحد أسباب اضمحلالها.
ولم يقتصر نشاط شوايتزر على الفلسفة والطب، فقد كان موسيقيًا وعازفًا بارزًا على آلة الأرغن، واهتم بصورة خاصة بأعمال الموسيقار يوهان سباستيان باخ. كما طور أسلوبًا خاصًا في الأداء الموسيقي، انطلاقًا من اعتقاده بأنه الأقرب إلى الطريقة التي أراد باخ أن تقدم بها موسيقاه.
من دراسة الطب إلى خدمة المرضى في الجابون
بعد أن أنهى شوايتزر دراساته الطبية عام 1913، توجه مع زوجته إلى لامباريني في الجابون، حيث بدأ مشروعه الإنساني بإنشاء مستشفى بالقرب من بعثة كانت موجودة في المنطقة. وهناك كرّس جانبًا كبيرًا من حياته لعلاج المرضى، واستقبل آلاف الحالات، كما اهتم برعاية عدد كبير من مرضى الجذام.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، تعرض شوايتزر وزوجته للاعتقال بسبب جنسيتهما الألمانية، ووُضعا لفترة تحت إشراف السلطات العسكرية الفرنسية، قبل نقلهما عام 1918 إلى فرنسا، حيث واصل شوايتزر نشاطه في مجالات الطب والفكر والدين.
بعد الإفراج عنه، عمل شوايتزر مساعد طبيب ومساعد قس في ستراسبورج، وألقى محاضرات في عدد من الأماكن التي دُعي إليها، مركزًا على أفكاره المتعلقة بالثقافة والأخلاق، وفي الوقت نفسه عمل على جمع الأموال اللازمة لإعادة بناء مستشفاه في لامباريني.
وفي عام 1924 عاد إلى الجابون لاستكمال بناء المستشفى، ثم استأنف عمله في الطب، إلى جانب رحلاته المتكررة إلى أوروبا لإلقاء المحاضرات في الجامعات والتعريف بأفكاره ومبادئه الفكرية والإنسانية.
وخلال الفترة من 1939 إلى 1948، أقام شوايتزر في لامباريني، إذ حالت ظروف الحرب العالمية الثانية دون عودته إلى أوروبا. وبعد مرور عدة سنوات على انتهاء الحرب، عاد إلى أوروبا ليقضي السنوات الأخيرة من حياته، مواصلًا نشاطه الفكري والإنساني.
حصل ألبرت شوايتزر على جائزة نوبل للسلام عام 1952، تقديرًا لمسيرته الإنسانية وجهوده في خدمة المرضى ونشر مبادئ احترام الحياة. كما أُنجز فيلم عن حياته في العام نفسه، ليضاف إلى سلسلة الأعمال التي تناولت تجربته ومشروعه الإنساني.
وفي 4 سبتمبر عام 1965، رحل ألبرت شوايتزر عن عمر ناهز 90 عامًا، بعد حياة امتزج فيها الطب بالفلسفة والموسيقى والعمل الإنساني، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا وإنسانيًا ارتبط بصورة أساسية بمبدأ احترام الحياة وخدمة الإنسان.





