في زمن أصبحت فيه الشهرة تُصنع في ساعات، لم يعد غريبًا أن يظهر علينا بين الحين والآخر من يبحث عن «التريند» بأي ثمن، فيبتكر تقليعة غريبة، أو يطلق تصريحًا صادمًا، أو يقدم نفسه باعتباره صاحب رؤية استثنائية، بينما لا يتجاوز الأمر في كثير من الأحيان محاولة محسوبة لخطف الأضواء.
وبعض أشباه الفنانين أدركوا جيدًا قواعد اللعبة؛ كلما كان الكلام أكثر غرابة، كانت فرص انتشاره أكبر. وكذلك بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم «محللين استراتيجيين» أو «خبراء سياسيين»، حتى أصبحت هذه المسميات أحيانًا مهنة من لا مهنة له، فيُطلق كلامًا عجيبًا لا يستند إلى علم أو معلومات، فقط لأنه يعرف أن الجدل سيصنع له ملايين المشاهدات والتعليقات.
والنتيجة؟
صورة تنتشر، وتصريح يملأ مواقع التواصل، ومئات الآلاف يتناقشون، وملايين المشاهدات تتحقق، وفي النهاية يكون صاحب التصريح قد حصل على ما أراد: الشهرة.
وهنا بالفعل يصبح التجاهل في بعض الحالات أقوى من الرد؛ لأن إعادة نشر الكلام الباطل لمجرد انتقاده قد تمنحه حياة لم يكن يحلم بها.
لكن هناك فارقًا خطيرًا يجب ألا نغفله.
ليس كل باطل يُسكت عنه.
فحين يكون الأمر مجرد محاولة رخيصة لصناعة تريند، قد يكون التجاهل هو العقاب الحقيقي. أما عندما يصل الأمر إلى العقيدة والدين والقرآن الكريم والذات الإلهية، فالمسألة تختلف تمامًا؛ لأننا لم نعد أمام شخص يريد أن يصبح حديث الناس ليومين، وإنما أمام كلام قد يترك أثرًا فكريًا لدى من لا يملك العلم الكافي للتمييز بين الحقيقة والادعاء.
الأخطر من «تقليعة» فنان أو تصريح محلل هو أن يتجرأ شخص على الحديث في الدين بغير علم، فيقدم آراءه الشخصية وكأنها حقائق دينية، أو يطعن في ثوابت راسخة، أو يردد أن القرآن الكريم لا يصلح لهذا الزمان، وكأن كتاب الله نص تاريخي انتهت صلاحيته!
هنا لا يمكن أن نقول: «سيعدي الكلام وخلاص».
لأن الكلام في الدين ليس لعبة «تريند».
والفتوى ليست وجهة نظر شخصية.
والقرآن الكريم ليس مادة قابلة للتجربة من أجل زيادة المشاهدات.
والعقيدة ليست ساحة لاستعراض الجهل أو البحث عن الشهرة.
والأشد خطورة أن يجد بعض ضعاف النفوس في مثل هذه التصريحات ما يوافق أهواءهم، فيأخذون منها ما يريدون، ثم تتحول الجملة المستفزة التي أُلقيت بحثًا عن الشهرة إلى فكرة تستقر في عقل إنسان آخر.
وهنا يصبح الصمت أحيانًا تقصيرًا، لأن الباطل عندما ينتشر ويصبح مؤثرًا لا يموت بمجرد تجاهله، بل يحتاج إلى تصحيح علمي رصين من أهل الاختصاص.
ولذلك فالمطلوب ليس أن تتحول الدولة إلى رقيب على أفكار الناس، ولا أن يُحاسب إنسان لمجرد اختلافه في الرأي، وإنما المطلوب أن يكون هناك خط واضح يفصل بين حرية التعبير وبين الاعتداء المتعمد على المقدسات أو نشر معلومات دينية مضللة باعتبارها حقائق، وأن يتم تطبيق القانون بعدالة ووفق الإجراءات القانونية على أي شخص يتجاوز الحدود التي يجرمها القانون.
أما أهل الفن والسياسة والإعلام، فليس مطلوبًا منهم أن يصنعوا ضجيجًا طوال الوقت.
الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى فضيحة كي يثبت وجوده، والمحلل الحقيقي لا يحتاج إلى تصريح صادم كي يثبت علمه، والمتحدث في الدين لا بد أن يعرف أن الكلمة أمانة قبل أن تكون وسيلة للشهرة.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن مكافأة كل مستفز بالمشاهدة، وكل غريب بالتداول، وكل جاهل بالشهرة.
فبعض الكلام يموت عندما نتجاهله.
وبعض الكلام يحتاج إلى رد.
وبعض الكلام يحتاج إلى قانون.
والفاصل بين الحالات الثلاث يجب أن يحدده العلم والاختصاص والقانون، لا الانفعال ولا التريند.
وفي النهاية، ليست المشكلة أن يتحدث الناس، وإنما المشكلة أن يتحول الجهل إلى منصة، والجهل بالدين إلى فتوى، والاستفزاز إلى شهرة، والباطل إلى مادة تتداولها الملايين.
احترموا حرية الناس.. نعم.
لكن احترموا أيضًا قدسية الدين، وهيبة الكلمة، وعقول الناس التي قد تتأثر بما تسمعه.
فالتريند ينتهي بعد أيام،
أما الكلمة التي تهدم معتقدًا في عقل إنسان فقد تحتاج سنوات لإصلاح أثرها.
