هناك سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: هل تحصل كل الألعاب الرياضية في مصر على الفرصة نفسها؟
السؤال لا يحمل أي عداء لكرة القدم، ولا ينتقص من جماهيريتها أو أهميتها أو حجم الاستثمار الذي تدور حوله. كرة القدم صناعة ضخمة ولها جمهورها وإعلامها ورعايتها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا النجاح الجماهيري سببًا في أن تشعر الألعاب الأخرى بأنها تتحرك في الظل، وأن أبطالها مطالبون بتحقيق الإنجازات بأدوات وإمكانات لا تتناسب مع حجم المسؤولية الموضوعة على أكتافهم.
الأزمة الحقيقية ليست في أن تحصل كرة القدم على أموال كثيرة، وإنما في أن تظل ألعاب أخرى عاجزة عن توفير أبسط متطلبات المنافسة الدولية.
فما قيمة سنوات التدريب الطويلة إذا وصل اللاعب إلى اللحظة التي يحتاج فيها للسفر إلى بطولة عالمية، ثم اكتشف أن ميزانية المشاركة غير متوفرة؟
هنا لا نخسر بطولة واحدة فقط.
نحن نخسر سنوات من عمر لاعب، ومجهود مدرب، وإنفاقًا سابقًا، وفرصة لميدالية كان يمكن أن تُضاف إلى سجل مصر.
البطل الذي يتوقف عند المطار
من أكثر المشاهد ظلمًا في الرياضة أن يكون اللاعب مؤهلًا للمشاركة، مستعدًا فنيًا وبدنيًا، وربما صاحب نتائج تؤهله للمنافسة، لكنه لا يسافر لأن تكاليف الرحلة غير متاحة.
والأخطر أن يتحول الأمر إلى سباق بين اللاعبين:
من يستطيع أن يدفع تكاليف سفره يستمر، ومن لا يستطيع يدفع الثمن بالابتعاد عن المنافسة.
وهذا يفتح بابًا خطيرًا للغاية.
فتمثيل مصر يجب أن يكون قائمًا على المستوى والنتيجة والاستحقاق، وليس على قدرة اللاعب أو أسرته على تحمل نفقات المشاركة.
ليس من العدل أن تنفق أسرة آلاف الجنيهات لتجهيز ابنها لبطولة دولية، ثم تتحمل فوق ذلك تذاكر السفر والإقامة والانتقالات، بينما يفترض أن تكون هناك منظومة رياضية قادرة على مساندة اللاعب الذي أثبت أنه يستحق ارتداء اسم مصر.
الميدالية لا تعرف شعبية اللعبة
عندما يقف لاعب مصري على منصة التتويج في بطولة دولية، لا يسأله أحد عن عدد مشاهدي لعبته.
ولا تقول الميدالية: هذه جاءت من كرة القدم أو السلاح أو التايكوندو أو رفع الأثقال أو السباحة.
الميدالية تحمل علم مصر فقط.
ولهذا يجب أن يكون معيار الدعم مرتبطًا بقدرة اللعبة ولاعبيها على تحقيق الإنجاز، وبخطط الإعداد والمشاركة والمنافسة، وليس فقط بحجم الجماهير أو العائد الإعلاني.
فالرياضة التي لا تمتلك جماهير ضخمة اليوم قد تكون صاحبة الميدالية التي تفرح بها مصر غدًا.
لماذا لا يكون التمويل وفق النتائج؟
الحل ليس في توزيع الأموال بالتساوي بين جميع الألعاب؛ فهذا ليس عدلًا أيضًا.
العدل الحقيقي أن يكون هناك نظام واضح ومعلن يحدد أولويات الإنفاق.
اللاعب صاحب التصنيف الدولي المتقدم يحتاج إلى دعم يختلف عن لاعب ما زال في بداية مشواره.
واللاعب المتأهل إلى بطولة عالمية لا يمكن أن يُعامل مثل لاعب لم يتأهل لأي منافسة خارجية.
والاتحاد الذي يثبت أن لديه مشروعًا حقيقيًا لصناعة الأبطال يجب أن يحصل على دعم يتناسب مع أهدافه ونتائجه.
لا نريد أن يتحول اللاعب إلى ممول للمنتخب
من غير المقبول أن يصبح اللاعب في بعض الألعاب الفردية مطالبًا بأن يكون:
لاعبًا.. وموفرًا لتكاليف مشاركته.. وباحثًا عن راعٍ.. ومسؤولًا عن تجهيزاته.. وفي النهاية مطلوبًا منه أن يحقق ميدالية ويرفع علم مصر.
كيف نطلب منه التركيز الكامل في المنافسة بينما هو منشغل قبل البطولة بالسؤال:
"هسافر إزاي؟ ومين هيدفع؟"
البطل يحتاج إلى أن يفكر في الملعب، لا في ثمن تذكرة الطائرة.
ويحتاج المدرب إلى التفكير في خطة المنافسة، لا في كيفية تدبير تكاليف المعسكر.
كرة القدم ليست المشكلة.. غياب التوازن هو المشكلة
من الخطأ أن نضع كرة القدم في مواجهة الألعاب الفردية.
المطلوب ليس سحب الدعم من كرة القدم.
المطلوب أن يكون لدينا توازن رياضي حقيقي.
كرة القدم قادرة على جذب الاستثمار والرعاية والإعلانات والجمهور، وبالتالي يجب أن تستفيد من قدراتها الاقتصادية.
لكن في المقابل، الألعاب الفردية التي لا تستطيع تحقيق العائد التجاري نفسه تحتاج إلى منظومة دعم تحافظ على قدرتها على المنافسة.
فإذا تركنا الأمر لقواعد السوق وحدها، فستحصل الألعاب الأكثر جماهيرية على المزيد، بينما تختفي تدريجيًا ألعاب قد تكون صاحبة فرص حقيقية في حصد الميداليات.
وهنا يأتي دور الدولة والاتحادات والرعاة في حماية التنوع الرياضي.
قبل أن نبحث عن بطل جديد.. حافظوا على الأبطال الموجودين
لدينا لاعبون موهوبون كثيرون.
لكن الموهبة وحدها لا تكفي.
البطل لا يصنعه التدريب فقط، وإنما تصنعه منظومة كاملة.
من يكتشفه؟
من يدعمه؟
من يوفر له المعسكرات؟
من يشارك في تكاليف البطولات؟
من يضمن له الاحتكاك بالمستويات العالمية؟
ومن يقف بجانبه عندما يواجه أزمة مالية؟
هذه الأسئلة أهم من البحث عن صورة بطل جديد بعد فوزه بالميدالية.
لأن أسهل شيء أن نحتفل بالبطل بعد التتويج.
أما صناعة البطل قبل التتويج فهي الاختبار الحقيقي.
إذا كنا نريد لمصر أن تنافس رياضيًا على المستوى العالمي، فعلينا أن نغير طريقة التفكير.
لا ينبغي أن يكون اللاعب الموهوب فقير الإمكانات هو أول من يسقط من الحسابات.
ولا ينبغي أن تكون أسرة اللاعب هي الحل الدائم لكل أزمة مالية.
ولا يجوز أن تضيع فرصة المشاركة في بطولة عالمية لأن الاتحاد لم يستطع توفير تذكرة سفر للاعب يستحقها.
نحن لا نطلب ترفًا للألعاب الفردية، بل نطلب الحد الأدنى من العدالة.
أعطوا كل لعبة ما تستحقه وفق إنجازاتها وخططها وفرصها.
وادعموا اللاعب الذي يثبت أنه قادر على رفع اسم مصر.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للرياضة المصرية ليس أن نخسر بطولة...
بل أن نخسر لاعبًا موهوبًا قبل أن نعطيه أصلًا فرصة المنافسة.
مصر ليست كرة قدم فقط.. ومصر التي تبحث عن ميدالية عالمية يجب ألا تجعل بطلها يدفع ثمن حلمه من جيبه.