توجيهات الرئيس السيسي بذكرى المولد النبوي.. مصارحة على المكشوف.. وحماية لحقوق المواطن
لم تكن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال احتفالية المولد النبوي الشريف مجرد حزمة من التكليفات الحكومية المعتادة، وإنما حملت رسائل سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة، وضعت المواطن في قلب المشهد، وفتحت الباب أمام مراجعة ما تحقق خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع التعامل مع الملفات التي تلامس حياته اليومية بصورة مباشرة.
فبين الدعوة إلى إعداد تقرير شامل عن إنجازات الدولة وعرضه على المواطنين، والتأكيد على فتح المجال أمام المفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات لمناقشة ما تحقق وما واجهته الدولة من تحديات، جاءت توجيهات أخرى أكثر التصاقًا بتفاصيل الحياة اليومية؛ من فواتير الكهرباء والعقود العقارية إلى أسعار السلع والطرق والمرور والخدمات المحلية.
هذه التوجيهات دفعت عددًا من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ إلى قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس أكثر وضوحًا: إنجاز يُعرض، ومشكلة تُسمع، وحق يُحمى، ومسؤول يُحاسب.
المصارحة أول الطريق.. ماذا أنجزت الدولة وماذا واجهت؟
النائب مصطفى متولي، عضو لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ، رأى أن توجيه الرئيس بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية للدولة يمثل تأكيدًا على مبدأ المصارحة والشفافية، معتبرًا أن اطلاع المواطنين على ما تحقق والتحديات التي واجهت الدولة يساهم في بناء وعي قائم على المعلومات والأرقام بدلًا من الشعارات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تأكيد الرئيس على مشاركة المفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات والمهتمين بالشأن العام، وإتاحة مساحة للنقاش والحوار، بما يجعل عرض الإنجازات ليس مجرد استعراض لما تم تنفيذه، وإنما فرصة لمناقشة النتائج والتحديات وطرح الأسئلة.
النائب ياسر الحفناوي اعتبر أن هذه الخطوة تحمل رسالة طمأنة ومصارحة مع المواطنين، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استمرار العمل وتسريع معدلات الإنجاز، بينما أكد النائب ميشيل الجمل أن عرض ما تحقق من مشروعات وإصلاحات أمام الشعب يعزز الوعي العام ويساعد في مواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة.
«الفاتورة على الاستهلاك».. الكهرباء في قلب شكاوى المواطنين
من أكثر الملفات التي حضرت بقوة في التوجيهات الرئاسية ملف فواتير الكهرباء، بعدما شدد الرئيس على ضرورة تجنب التقديرات الجزافية، مع تيسير سداد المتأخرات المستحقة على المواطنين.
وهنا جاءت ردود فعل النواب لتضع هذا التوجيه في سياقه اليومي؛ فالنائب محمد زين الدين أكد أن إنهاء ظاهرة الفواتير العشوائية يمثل استجابة لشكاوى متكررة، فيما رأى النائب محمد سليم أن دقة القراءات ومراجعتها تضمن أن يدفع المواطن مقابل استهلاكه الحقيقي، بعيدًا عن أي تقديرات غير دقيقة.
أما النائب سامي سوس، فأكد أن ضبط منظومة الفواتير والتيسير في سداد المتأخرات يمكن أن يعززا الثقة بين المواطن والمؤسسات الخدمية، بينما اعتبر النائب أشرف مرزوق أن التوجيه يمثل انتصارًا لمبدأ العدالة في حصول المواطن على الخدمة ومحاسبته وفق استهلاكه الفعلي.
وهكذا تحولت فاتورة الكهرباء من مجرد ورقة شهرية إلى اختبار مباشر لعلاقة المواطن بالخدمة العامة: هل يدفع ما استهلكه بالفعل؟ وهل يجد جهة تستمع إلى شكواه وتراجع الخطأ إذا وقع؟
العقارات.. المواطن ليس الطرف الأضعف
وفي ملف آخر شديد الحساسية، جاءت توجيهات الرئيس بشأن احترام العقود المبرمة مع المواطنين، وسرعة تسليم الوحدات واستكمال المرافق والبنية الأساسية، لتضع ملف المطورين العقاريين أمام اختبار جديد.
النائب أشرف مرزوق اعتبر أن مراجعة أوضاع المشروعات العقارية يجب أن تشمل الموقف التنفيذي لكل مشروع، وقدرة المطور المالية، ومدى الالتزام بالجداول الزمنية، مؤكدًا أن المواطن الذي دفع مدخراته للحصول على وحدة سكنية يجب ألا يتحول إلى الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
النائب ميشيل الجمل رأى في التوجيه رسالة واضحة بأن حقوق المواطنين مصونة، بينما أكد النائب حسام المندوه أن احترام العقود وسرعة التسليم يمثلان حماية مباشرة للمواطن من أعباء غير مبررة.
وفي خلفية هذا الملف، تبدو الرسالة الأوسع واضحة: العقد ليس وعدًا قابلًا للتأجيل، وأموال المواطن ليست مساحة مفتوحة للمماطلة.
من ضبط الأسواق إلى منفذ حكومي في كل مركز
الأسعار والسلع لم تكن بعيدة عن التوجيهات، إذ جاء التشديد على ضبط الأسواق والتوسع في منافذ البيع الحكومية، وصولًا إلى إنشاء منفذ حكومي واحد على الأقل في كل مركز على مستوى الجمهورية.
النائب محمد سليم شدد على أن مواجهة ارتفاع الأسعار والممارسات الاحتكارية تحتاج إلى وجود مستمر للأجهزة التنفيذية والرقابية داخل الأسواق، وليس الاكتفاء بالقرارات المكتبية.
فيما رأى النائب سامي سوس أن التوسع في المنافذ الحكومية يمكن أن يعزز توافر السلع الأساسية، بينما أكد النائب ميشيل الجمل أن هذه الخطوة تستهدف توفير السلع بأسعار مناسبة والحد من الممارسات الاحتكارية.
المعنى هنا يتجاوز مجرد زيادة عدد المنافذ؛ فالحكومة مطالبة بأن تكون حاضرة في السوق، لا أن تترك المواطن وحيدًا أمام تقلبات الأسعار أو استغلال بعض التجار.
«انزلوا للشارع».. المسؤول أمام المواطن لا خلف المكتب
ربما كان أحد أكثر أبعاد التوجيهات وضوحًا هو الدعوة إلى المتابعة الميدانية والتواصل المباشر مع المواطنين، خاصة من جانب المحافظين ووزارة التنمية المحلية.
النائب محمد زين الدين اختصر الفكرة في أن النزول إلى الشارع والاستماع إلى المشكلات على الطبيعة هو الطريق الأسرع لحلها، بينما أكد ياسر الحفناوي أن التواصل المباشر يمثل رسالة بأن مشكلات الناس يجب أن تصل إلى المسؤول دون حواجز.
أما أشرف مرزوق، فذهب إلى اعتبار المتابعة الميدانية ثقافة يجب أن تصبح جزءًا دائمًا من الإدارة الحكومية، لأن المواطن هو الأكثر قدرة على كشف الخلل الحقيقي في الخدمات.
وهنا تبدو المعادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في مضمونها: المشكلة التي لا تظهر في التقرير قد تظهر في الشارع، والمواطن الذي لا يصل إلى مكتب المسؤول قد يجد المسؤول أمامه في الشارع.
الطرق والمرور.. التنمية لا تكتمل دون انضباط
التوجيهات المتعلقة بالطرق والنقل الجماعي والحملات المرورية حملت بدورها بُعدًا يتجاوز تطوير البنية الأساسية إلى حماية الأرواح.
النائب ياسر الحفناوي أكد أن تطوير الطرق لا يكتمل دون الانضباط المروري، فيما أشار سامي سوس إلى أن استكمال مشروعات النقل وتحسين الطرق وتكثيف الحملات المرورية يمثل منظومة متكاملة تستهدف الحد من الحوادث وتحسين حركة المواطنين.
أما ميشيل الجمل، فرأى أن تحسين الطرق والنقل الجماعي بالتوازي مع الانضباط في الشارع يعكس رؤية متكاملة لجودة الحياة.
فالدولة التي تنفق على الطريق مطالبة أيضًا بأن تضمن استخدامه بصورة آمنة، وأن يتحول الاستثمار في البنية الأساسية إلى خدمة يشعر بها المواطن في رحلته اليومية.
«لا مكان لفاسد».. سيادة القانون كرسالة حاسمة
وفي قلب المشهد، جاءت رسالة الرئيس بشأن سيادة القانون ومواجهة الفساد والتلاعب بحقوق المواطنين، وهي الرسالة التي توقف أمامها أكثر من نائب.
النائب محمد زين الدين اعتبر التأكيد على عدم وجود مكان لفاسد أو مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب إعلانًا واضحًا بأن القانون فوق الجميع، بينما رأى أشرف مرزوق أن هذه الرسالة تعني أن حقوق المواطن ومقدرات الدولة ليست مجالًا للتهاون.
وأكد ميشيل الجمل أن مكافحة الفساد وحماية المال العام وحقوق المواطنين تمثل ركائز أساسية لبناء دولة قوية وعادلة.
وبذلك ارتبطت الملفات الخدمية والاقتصادية بالملف الأهم: المحاسبة. فلا يكفي إصدار القرار إذا لم توجد متابعة، ولا تكفي المتابعة إذا غابت المحاسبة، ولا تكتمل حماية المواطن إذا لم يشعر بأن القانون يقف إلى جانبه.
من التوجيه إلى التنفيذ.. الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
ورغم اتفاق النواب على أهمية التوجيهات، فإن القاسم المشترك بين مختلف مداخلاتهم كان ضرورة تحويلها إلى إجراءات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فالتقرير المنتظر عن إنجازات الدولة لن تكون قيمته في عدد صفحاته، وإنما في حجم الحقائق التي سيكشفها والحوار الذي سيفتحه. ومراجعة فواتير الكهرباء لن تحقق هدفها إلا إذا انتهت التقديرات غير الدقيقة وأصبحت الشكوى طريقًا فعليًا للتصحيح. وضبط الأسواق لن ينجح دون رقابة مستمرة، واحترام العقود لن يكتمل دون مواجهة المتعثرين، والنزول إلى الشارع لن تكون له قيمة إذا لم يتبعه حل للمشكلة.
ولهذا يمكن قراءة ردود فعل النواب على توجيهات الرئيس باعتبارها اتفاقًا على أن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى قرارات أكثر، وإنما إلى تنفيذ أسرع وقياس أوضح للنتائج.
في النهاية، تضع التوجيهات الرئاسية معادلة جديدة أمام الجهاز التنفيذي: أن يرى المواطن أثر القرار في فاتورته، وسوقه، وشارعه، ووحدته السكنية، وطريقه، وخدمته الحكومية؛ وأن يرى في الوقت نفسه صورة أكثر وضوحًا لما أنجزته الدولة وما لم يتحقق بعد.
فالثقة لا تُبنى بالكلام وحده، ولا بالإنجاز وحده؛ وإنما بالمصارحة بالإنجاز، والاعتراف بالتحدي، والاستماع إلى المواطن، ثم تحويل كل ذلك إلى فعل يراه الناس على الأرض.





