72% من الفتيات يعترفن بالأزمة..تفاصيل صادمة عن الدعم النفسي بالجامعات|خاص
بعيداً عن الصخب المعتاد داخل الحرم الجامعي، حيث تتزاحم قاعات المحاضرات وتتشابك طموحات الشباب بين الامتحانات ودرجات التفوق الأكاديمي، تدور فصول دراما خفية لا يراها الكثيرون. خلف أبواب المدرجات المغلقة، يعاني آلاف الطلاب بصمت تحت وطأة القلق، وتقلبات المزاج، وضغوط الحياة المتصاعدة، لتتحول مقاعد الدراسة في كثير من الأحيان إلى ساحة اختبار حقيقية لسلامتهم النفسية والعقلية.
ويؤكد الأستاذ الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة أسيوط،فى تصريحات خاصة لـ إيجبتك أنه في الوقت الذي يقتصر فيه المفهوم التقليدي للجامعة على التحصيل العلمي فقط، تأتي الأرقام الصادمة لتدق ناقوس الخطر؛ فما كشفت عنه بيانات العام الجامعي 2025/2026 بمركز جامعة القاهرة للدعم النفسي وإعادة بناء الذات «PASIC» من تقديم 1962 جلسة دعم نفسي لـ649 طالبًا وطالبة، يمثل مرآة حقيقية لواقع يجب الوقوف عنده طويلاً.
أرقام تنطق بالحقيقة.. من يجلس على مقاعد الدعم النفسي؟
وأاشار إلى أن تفاصيل الأرقام المسجلة في مركز جامعة القاهرة تكشف عن تفاصيل دقيقة تستوجب التأمل؛ إذ بلغ متوسط نصيب المستفيد الواحد نحو ثلاث جلسات علاجية وإرشادية. ولفت الانتباه تفوق نسبة الطالبات المترددات لتصل إلى 72.7% مقابل 27.3% للطلاب، في مؤشر يعكس ربما قدرة أكبر لدى الفتيات على الاعتراف بالأزمة وطلب المساعدة مقارنة بالشباب الذين قد تعوقهم العادات المجتمعية عن البوح بضعفهم.
ولم تقتصر المظلة العلاجية على الطلاب المصريين فحسب، بل امتدت لتشمل 71 طالبة وافدة من جنسيات عربية متعددة، إضافة إلى 99 طالبًا وطالبة من المقيمين بالمدن الجامعية، وهي بيئة تغيب عنها الأجواء الأسرية المعتادة وتتضاعف فيها الضغوط المعيشية والدراسية.
حين تتسلل الاضطرابات إلى قاعات المحاضرات
من جانبه، يؤكد الأستاذ الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة أسيوط، أن البيانات لا توضح فقط حجم الأعداد بل تعكس طبيعة المعاناة؛ حيث ارتبطت نحو 23% من أبرز المشكلات بتغيرات المزاج، والقلق، والميول الاكتئابية، إلى جانب فقدان الثقة بالنفس، والضغوط الأسرية والدراسية.
ويوضح د. فوزي أن "الجامعة الحديثة لا يمكنها بحال من الأحوال فصل التحصيل الأكاديمي عن الصحة النفسية؛ فالقلق الشديد والاضطراب المزاجي وضغوط الأسرة والدراسة تتسلل لتنعكس بشكل مباشر على قدرة الطالب على التركيز، وجودة نومه، وحجم دافعيته للحياة، فضلاً عن تأثيرها المدمر على الحضور واتخاذ القرار السليم". ومن هنا، يشدد أستاذ الطب النفسي على أن خدمات التدخل المبكر والإرشاد والإحالة المتخصصة لم تعد ترفًا جامعيًا أو خدمة هامشية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة حماية الطالب ووقايته من الانهيار.
طلب المساعدة ليس ضعفًا
هذه الرؤية العلمية تلاقت مع توجهات إدارية واضحة؛ إذ يضع الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، هذه القضية في إطار استراتيجي شامل، مؤكدًا أن الصحة النفسية هي جزء أصيل من جودة الحياة الجامعية، وأن دور المؤسسة الأكاديمية يتجاوز حدود تلقين المعرفة إلى بناء شخصية متوازنة قادرة على صدمات الواقع ومواجهة التحديات. وتتجلى أهمية هذه المبادرات في إتاحة الخدمات مجانًا وضمن بيئة تحاط بالسرية التامة والأمان، مع توجيه دعوة صريحة لكل طالب يواجه أزمات عاطفية أو دراسية لطلب المساندة دون خجل أو تردد.
بدوره، يوضح الدكتور محمد رفعت، نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، أن الهدف الاستراتيجي للجامعة هو تحويل الدعم النفسي من مجرد حالات فردية متفرقة إلى "ثقافة مؤسسية" تتغلغل داخل الكليات والمدن الجامعية لترسيخ مفهوم الوقاية واللياقة النفسية.

نموذج عملي متكامل
في قلب هذه المنظومة، يشرح الدكتور فكري محمد العتر، مدير مركز الدعم النفسي وإعادة بناء الذات، أن فلسفة المركز لا تقف عند حدود علاج الاضطرابات النفسية المرضية فحسب، بل تمتد لتشمل مرافقة من يواجهون ضغوط الحياة اليومية والمشكلات العاطفية، وحتى الراغبين في صقل مهارات التكيف وبناء الثقة بالنفس.
ويعمل المركز من خلال 7 شعب متخصصة تغطي مجالات الإرشاد الدراسي والتعلم الذاتي، والمسوح والقياس، والإرشاد النفسي والأسري، والدعم النفسي والتدخلات العلاجية، والتوعية والمعلومات. إلى جانب تنظيم ورش عمل وندوات مكثفة تتناول القلق، وضغوط الحياة، والاسترخاء، ومواجهة الرهاب الاجتماعي، ومهارات الاستذكار والتواصل الفعّال.
ولفتت بيانات الكليات الانتباه مجددًا، حيث تصدرت كلية الآداب قائمة المستفيدين بنسبة 19.2%، تلتها العلاج الطبيعي بنسبة 15.8%، ثم التجارة بنسبة 15.6%، مما يثبت قطعًا أن الحاجة إلى الدعم النفسي لا تعرف تخصصًا علمياً دون آخر.
نحو رؤية وطنية شاملة لصحة طلاب مصر
وأختتم “ فوزى ” تصريحاته " قائلا ، إن التجربة التي تقدمها جامعة القاهرة اليوم عبر مركزها لا تمثل مجرد رقم في سجلات الإنجاز، بل تطرح نموذجًا عملياً متكاملاً أمام منظومة التعليم العالي المصرية بأسرها: مركز واضح الهوية، خدمات مجانية وآمنة، تدخل مبكر، وقرب حقيقي من نبض الطالب.
وأشار بالتحدي الحقيقي الذي يواجه الجامعات المصرية اليوم هو تعميم هذه التجربة لتصبح الصحة النفسية مؤشراً رئيسياً من مؤشرات جودة الحياة الأكاديمية، مع توفير مسارات آمنة وكوادر مؤهلة وآليات واضحة للمتابعة.
فالطالب الذي يلجأ لطلب الدعم لا يبحث بالضرورة عن دواء لمرض عضال، بل يسعى ببساطة لئلا تتحول أزمة عابرة إلى انهيار دراسي أو اجتماعي. وحين تحمي الجامعة عقل طالبها ونفسيته، فهي لا تصنع مجرد خريج ناجح يحمل شهادة جامعية، بل تبني إنسانًا سوياً، قادراً على التعلم، والعطاء، وبناء مستقبل وطنه بكل ثبات.












