رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غرق قارب مهاجرين يشعل احتجاجات بن قردان ويعيد الجدل حول الهجرة لأوروبا

أثناء البحث عن مفقودين
أثناء البحث عن مفقودين

أعادت فاجعة غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين قبالة السواحل التونسية، كان في طريقه إلى إيطاليا، ملف الهجرة إلى الواجهة من جديد، بعدما تحولت الحادثة إلى شرارة احتجاجات واسعة في مدينة "بن قردان" جنوب شرقي البلاد، وسط حالة من الغضب الشعبي بسبب تأخر انتشال جثامين الضحايا.

وتمكنت قوات الأمن التونسية من انتشال جثامين 11 مهاجرًا، بينما تتواصل عمليات البحث عن جثتين أخريين، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحادثة تتصاعد داخل المدينة التي شهدت خلال السنوات الماضية أزمات اقتصادية واجتماعية مرتبطة إلى حد كبير بأوضاع الحدود وحركة التجارة والهجرة.

اشتباكات بين الأمن والمحتجين

وتجددت الاحتجاجات في "بن قردان" ليل الأحد، على خلفية حادث غرق القارب الذي وقع مساء الجمعة، حيث اندلعت مواجهات بين قوات الأمن وعدد من المحتجين الغاضبين من تأخر عمليات انتشال جثامين الغارقين.

وأثارت الحادثة حالة من الاحتقان بين السكان، في ظل مطالب بضرورة التعامل بصورة أكثر سرعة مع حوادث غرق المهاجرين، إلى جانب فتح نقاش أوسع حول السياسات التي تتبعها تونس في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، خاصة في المناطق الحدودية.

وتأتي الاحتجاجات في وقت تواجه فيه بن قردان تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، فيما يرى سكان أن معالجة أزمة الهجرة لا يمكن فصلها عن الأوضاع المعيشية والاقتصادية في المنطقة.

اتفاق الهجرة مع الاتحاد الأوروبي يعود إلى الواجهة

وأعادت الفاجعة كذلك الجدل بشأن مذكرة التفاهم الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي بشأن ملف الهجرة، والتي أثارت منذ إبرامها انتقادات واسعة داخل تونس وخارجها.

ويرى منتقدون أن الاتفاق جعل تونس تؤدي دورًا أمنيًا متزايدًا في منع المهاجرين من الوصول إلى السواحل الأوروبية، مقابل دعم مالي وسياسي من الاتحاد الأوروبي، دون أن يترافق ذلك، بحسب وجهة نظرهم، مع معالجة كافية للأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى محاولة عبور البحر المتوسط.

 أرقام التجارة تكشف حجم العلاقة مع أوروبا

وقال النائب البرلماني التونسي السابق مجدي الكرباعي إن الجدل بشأن طبيعة العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة "مشروع تمامًا"، معتبرًا أن العلاقة بين الطرفين اختُزلت خلال السنوات الماضية في معادلة تقوم على ضبط تونس لحدودها مقابل الحصول على دعم مالي وسياسي.

وأضاف أن تكرار حوادث الغرق وفقدان العائلات أبناءها يطرح تساؤلات أخلاقية وسياسية حول الجهة التي تتحمل تكلفة هذه السياسات.

وأشار الكرباعي إلى أن حجم العلاقات التجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي يمنح الجانب الأوروبي أدوات ضغط مؤثرة، موضحًا أن صادرات تونس إلى دول الاتحاد الأوروبي بلغت خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 70.4% من إجمالي صادرات البلاد، بينما تمثل الواردات القادمة من الاتحاد نحو 45% من إجمالي الواردات التونسية.

بن قردان تدفع ثمن إغلاق الحدود

وأوضح الكرباعي أن هذا الاعتماد التجاري الكبير يمنح بروكسل وروما أوراق ضغط حقيقية، مشيرًا إلى أن ذلك ظهر، وفق رؤيته، في المقترح الإيطالي الأخير بشأن إنشاء مراكز خارج أراضي الاتحاد الأوروبي لإعادة المهاجرين، مع إدراج تونس ضمن قائمة الدول المرشحة لاستضافة مثل هذه المراكز.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أن الدول الأوروبية مخطئة في جميع مواقفها، مؤكدًا حق الدول في تنظيم حدودها وحماية أراضيها، وإنما تكمن المشكلة، بحسب رأيه، في طبيعة التعاون القائم بين الجانبين.

ويرى الكرباعي أن التعاون يركز بدرجة كبيرة على الجانب الأمني، بينما لا تتم معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، وفي مقدمتها التفاوت التنموي والاقتصادي، لافتًا إلى أن مناطق مثل بن قردان تتأثر بصورة مباشرة بأي إغلاق للمعابر الحدودية، وهو ما ينعكس على النشاط الاقتصادي المحلي.

تونس تراهن على إعادة المهاجرين

وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت تونس إلى دعم برامج العودة الطوعية للمهاجرين الأفارقة إلى بلدانهم، بالتزامن مع تكثيف عمليات اعتراض القوارب التي تنطلق من السواحل التونسية باتجاه الضفة الشمالية للمتوسط.

وأثارت هذه السياسة انقسامًا واسعًا، خصوصًا مع تزايد أعداد المهاجرين الأفارقة الموجودين في تونس، واستمرار حوادث غرق القوارب التي تحاول الوصول إلى أوروبا.

ويرى منتقدون أن الإجراءات الأمنية وحدها لا تكفي لإنهاء ظاهرة الهجرة غير النظامية، خصوصًا أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية في دول المصدر، إلى جانب تفاوت مستويات المعيشة، تدفع أعدادًا كبيرة من المهاجرين إلى المخاطرة بحياتهم في رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر.

 فاجعة بن قردان تفتح السؤال من جديد

وبينما تتواصل عمليات البحث عن المفقودين بعد غرق القارب، تحولت فاجعة بن قردان إلى قضية تتجاوز حادث الغرق نفسه، لتعيد طرح الأسئلة حول مستقبل سياسة الهجرة في تونس، ومدى قدرة الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي على معالجة الأزمة بدلًا من التعامل مع نتائجها فقط.

كما أعادت الاحتجاجات تسليط الضوء على الأوضاع الاقتصادية في المناطق الحدودية، حيث يتداخل ملف الهجرة مع التجارة وحركة المعابر وفرص العمل، ما يجعل أي معالجة مستدامة للأزمة مرتبطة بضرورة الجمع بين الحلول الأمنية والسياسات الاقتصادية والتنموية.

وتبقى المأساة الإنسانية لغرق المهاجرين في البحر المتوسط واحدة من أبرز تداعيات استمرار الهجرة غير النظامية، في ظل محاولات آلاف الأشخاص عبور البحر إلى أوروبا رغم المخاطر الكبيرة التي تهدد حياتهم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء