أستاذ جامعى: 122 ملاحظة على كتاب"علم النفس" بالبكالوريا أخطاء علمية ولغوية
قدم الدكتورعاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، مذكرة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، تضمنت 122 ملاحظة علمية وتربوية ولغوية على كتاب علم النفس المقرر على طلاب الصف الثاني بمرحلة البكالوريا، الجزء الثاني.
وركزت الملاحظات على المحتوى العلمي للكتاب، ودقة المفاهيم والمصطلحات، وصياغة نواتج التعلم والأهداف، إلى جانب اللغة والأسلوب، وتصميم الأنشطة والمهام الأدائية، وأدوات التقييم، وحجم المحتوى والعبء المعرفي الواقع على الطلاب.
أخطاء لغوية تحتاج إلى مراجعة تحريرية شاملة
أوضح حجازي أن الكتاب يتضمن عددًا من الأخطاء اللغوية والإملائية والنحوية، إلى جانب أخطاء في رسم الهمزات وعلامات الترقيم والتنوين، مشيرًا إلى أن بعضها يتكرر في أكثر من موضع.
وضرب أمثلة على ذلك بتصويب «اختبر» إلى «أختبر»، و«افهم» إلى «أفهم»، و«يساهم» إلى «يسهم»، و«الأخرين» إلى «الآخرين»، فضلًا عن أخطاء أخرى تتعلق بصياغة الجمل والضمائر والإعراب.
كما انتقد استخدام عبارات دارجة أو غير ملائمة لطبيعة الكتاب المدرسي، من بينها «اعكس الآية»، و«شلة الأصدقاء»، و«شلل»، معتبرًا أن الصياغة الأكاديمية تقتضي استبدالها بمصطلحات أكثر دقة وملاءمة.
«التبرير» أم «التعليل»؟.. ملاحظة على المصطلحات التعليمية
ومن أبرز الملاحظات التي طرحها أستاذ علم النفس التربوي استخدام مصطلح «التبرير» في عدد من الأنشطة والأسئلة، موضحًا أن الأنسب في السياق التعليمي هو «التعليل».
وأشار إلى أن التبرير يرتبط، في السياق النفسي، بحيلة دفاعية، ومن ثم فإن استخدامه باعتباره هدفًا أو مستوى معرفيًا في النشاط التعليمي يحتاج إلى مراجعة.
وطالب بتوحيد المصطلحات المستخدمة في الكتاب، ومن بينها استخدام «الذكاء الوجداني» بدلًا من «الذكاء العاطفي» في المواضع التي يُراد فيها التعبير عن المفهوم نفسه.
خلط بين الفروق الفردية والقدرات والميول والاتجاهات
ورصد حجازي ما وصفه بوجود خلط مفاهيمي في تناول عدد من الموضوعات الأساسية في علم النفس، وعلى رأسها الفروق الفردية والقدرات والميول والاتجاهات.
وأوضح أن المثال الوارد لتوضيح الفروق الفردية بين شخصين لا يتفق مع تعريف الفروق بين الأفراد باعتبارها فروقًا في الدرجة، وليس اختلافًا في النوع.
كما أشار إلى أن الكتاب ينتقل إلى الحديث عن «الاتجاهات» في بعض الأمثلة قبل تقديم تعريف واضح لها وبيان الفروق بينها وبين الميول، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك الطالب عند التعامل مع المفاهيم النفسية المختلفة.
ملاحظات على الذكاء والذكاءات المتعددة
وفيما يتعلق بموضوع الذكاء، أكد حجازي أن الجزء الخاص بالذكاء في المنظور الأحادي، وكذلك عرض نظرية الذكاءات المتعددة، يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة.
وأشار إلى وجود اختلاف في كتابة اسم «هوارد جاردنر» داخل الكتاب، حيث ورد الاسم بصيغتين مختلفتين، معتبرًا أن ذلك يعكس الحاجة إلى توحيد المراجع والترجمات ومراجعتها قبل اعتماد المحتوى.
كما انتقد تقديم الذكاء الوجداني مباشرة بعد الذكاءات المتعددة لجاردنر دون توضيح علمي بأن جاردنر لم يقدم «الذكاء الوجداني» باعتباره أحد أنواع الذكاء الثمانية بهذه الصيغة، وإنما تناول الذكاء الشخصي والذكاء الاجتماعي ضمن إطار مختلف.
تعريف «الذكاء الرقمي» يحتاج إلى إعادة نظر
ولفت حجازي إلى أن تعريف الذكاء الرقمي باعتباره مجرد توظيف للذكاءات المتعددة في البيئة الرقمية لا يتفق، بحسب تقييمه، مع الأطر العلمية للمفهوم.
كما أشار إلى ظهور مصطلح «الذكاء الرقمي المجتمعي» في أحد الأنشطة دون تقديم تمهيد أو تعريف سابق له في المحتوى، بما قد يربك الطالب عند التعامل مع المصطلح.
أهداف تعليمية غير قابلة للقياس
وتضمنت المذكرة انتقادات لصياغة عدد من الأهداف ونواتج التعلم، موضحًا أن بعض الصياغات لا تحدد بصورة دقيقة ما ينبغي أن يؤديه الطالب أو المخرج المتوقع منه.
واعتبر أن استخدام أفعال مثل «تؤمن» في صياغة الأهداف السلوكية يمثل مشكلة تربوية؛ لكونه فعلًا داخليًا لا يمكن قياسه بصورة مباشرة، وبالتالي لا يحقق متطلبات صياغة الهدف السلوكي وفق التصنيفات التربوية، ومنها تصنيف بلوم.
كما أشار إلى وجود خلط في بعض المواضع بين الغاية التعليمية ووسيلة الوصول إليها، وهو ما يستدعي إعادة صياغة نواتج التعلم بصورة إجرائية قابلة للملاحظة والقياس.
الموهبة والمهارة والذكاء.. تعارض مع الأطر الحديثة
وأشار أستاذ علم النفس التربوي إلى أن معالجة موضوعات الموهبة والمهارة والذكاء في عدد من صفحات الكتاب لا تتسق، في تقديره، بصورة كافية مع الأطر الحديثة في هذا المجال، وعلى رأسها نموذج جانييه المتمايز للموهبة والتفوق.
كما رصد تعارضًا بين بعض ما ورد في المقارنة بين الذكاء والموهبة والمهارة، وبين ما سبق عرضه بشأن الذكاءات المتعددة، وهو ما قد يؤدي إلى عدم وضوح الحدود المفاهيمية بين المصطلحات لدى الطالب.
نماذج ذوي الهمم.. غياب التمثيل المصري الكافي
وتضمنت الملاحظات انتقادًا لطريقة تقديم نماذج الموهوبين من ذوي الهمم، حيث أشار حجازي إلى وجود قصور في تقديم نماذج مصرية معاصرة.
ولفت إلى أن وضع هيلين كيلر وبيتهوفن تحت عنوان «موهوبون عرب ومصريون معاصرون من ذوي الإعاقة» يمثل مشكلة في بناء المحتوى، فضلًا عن تكرار عرض بعض النماذج ذاتها في صفحات متتالية.
كما رأى أن عدم تقديم نماذج مصرية متنوعة قد يعطي الطالب انطباعًا غير دقيق بأن تميز ذوي الهمم نادر في المجتمع المصري، بينما كان من الأفضل توسيع نطاق النماذج المحلية المستخدمة في الشرح.
«التوافه» و«الظلم».. تعبيرات لا تناسب الكتابة الأكاديمية
وانتقد حجازي استخدام بعض التعبيرات الانفعالية في الكتاب، معتبرًا أن تكرار كلمات مثل «الظالمة» و«ظلم» لا يتناسب مع طبيعة الكتابة العلمية والأكاديمية.
كما أشار إلى عبارة تتحدث عن «تصدير التوافه»، معتبرًا أنها صياغة غير مناسبة للكتاب المدرسي، فضلًا عن احتمال فهمها باعتبارها اتهامًا مباشرًا للمؤسسات أو الدولة بإعطاء اهتمام لغير المتميزين.
وطالب بالاعتماد على لغة علمية محايدة عند تناول القضايا المجتمعية.
خطأ في عرض «العوامل الخمسة الكبرى للشخصية»
ومن الملاحظات العلمية المهمة التي تضمنتها المذكرة وجود خطأ في تناول بُعد العصابية ضمن نموذج العوامل الخمسة الكبرى للشخصية.
وأوضح حجازي أن الكتاب يربط الدرجة المرتفعة من العصابية بالاتزان والصلابة الانفعالية، والدرجة المنخفضة بالقلق والحساسية الانفعالية، مؤكدًا أن العلاقة الواردة في الكتاب معكوسة.
وأشار إلى أن هذا النوع من الأخطاء العلمية يمثل أهمية خاصة؛ لأنه يتعلق بمفهوم نفسي أساسي يمكن أن يؤثر في فهم الطالب للنموذج بأكمله.
انتقال غير ممهد إلى «الازدهار النفسي»
وفي وحدة علم النفس الإيجابي، رصد حجازي انتقالًا مباشرًا من الحديث عن علم النفس الإيجابي إلى «الازدهار النفسي» دون تمهيد كافٍ.
كما انتقد بعض الصياغات التي وصفها بأنها شديدة التعميم، ومن بينها العبارة التي تجعل الآخرين «مصدر أعظم سعادة للبشر»، معتبرًا أن مثل هذه الصياغات تحتاج إلى ضبط علمي وتجنب التعميم والمبالغة.
ازدحام المحتوى يرفع العبء المعرفي على الطلاب
وفي جانب يتعلق ببناء الكتاب، أكد حجازي أن الصفحات تعاني من كثافة معلوماتية مرتفعة، بما قد يؤدي إلى الملل والإحباط لدى الطلاب.
وأوضح أن كل صفحة تتضمن كمًا كبيرًا من المعلومات والمفاهيم، وأن كثافة المحتوى بهذا الشكل ترفع العبء المعرفي في الدرس الواحد، بما قد يؤثر سلبًا في قدرة الطالب على الاستيعاب ودافعيته للتعلم.
مهام أدائية غير متدرجة وتتجاوز مستوى الطلاب
وانتقد الخبير التربوي طبيعة عدد كبير من المهام الأدائية الواردة في نهاية الدروس، موضحًا أنها في حالات عديدة غير واضحة أو تتطلب أدوارًا تتجاوز قدرات الطلاب في هذه المرحلة.
وأشار إلى أن بعض المهام تحتاج إلى متخصصين لتنفيذها، ولا تراعي التدرج المطلوب في تقديم المهارات وفق مفهوم السقالات التربوية.
وأضاف أن عدم مراعاة هذا التدرج قد يحول المهمة الأدائية إلى نشاط إنشائي شكلي، بدلًا من كونها أداة حقيقية لتطبيق ما تعلمه الطالب.
أدوات التقييم تحتاج إلى مؤشرات قابلة للقياس
ولفت حجازي إلى أن استمارات التقييم المصاحبة للدروس لا تتضمن، في بعض الحالات، حدودًا واضحة قابلة للقياس الكمي والسلوكي.
وأشار كذلك إلى وجود عبارات مركبة داخل بعض المقاييس، وهو ما لا يتفق مع المعايير العلمية لبناء أدوات التقييم، مستشهدًا ببعض العبارات الواردة في جدول التقييم بالصفحة 60.
لغة الأنشطة لا تناسب طلاب البكالوريا
ومن بين الملاحظات التي أثارها حجازي استخدام أسلوب قصصي في تقديم الأنشطة يقوم على عبارات من قبيل «قام صديقك محمد...» أو «فعلت صديقتك أمنية...».
وأوضح أن هذا الأسلوب قد يكون مناسبًا لطلاب المرحلة الابتدائية، لكنه لا يتناسب بالقدر نفسه مع طلاب مرحلة البكالوريا، الذين يحتاجون إلى مواقف تعليمية أكثر ارتباطًا بمرحلتهم العمرية، وتثير التفكير والتحليل والاستقلالية.
غياب نماذج للأسئلة الموضوعية رغم تغيير طبيعة الامتحان
وأشار حجازي إلى خلو الكتاب من نماذج كافية للأسئلة الموضوعية، رغم أن نظام الامتحان يتضمن 50% أسئلة مقالية و50% أسئلة موضوعية.
وأكد أن وجود نماذج تطبيقية للأسئلة بنوعيها داخل الكتاب يمثل عنصرًا مهمًا في تدريب الطلاب على طبيعة التقييم والاستعداد للامتحانات.
حجازى يتسأل:«هل الكتاب عن علم النفس أم المواطنة الرقمية؟»
واختتم أستاذ علم النفس التربوي ملاحظاته بانتقاد ما وصفه بـالتركيز المفرط على الجانب الرقمي في معظم موضوعات الكتاب، معتبرًا أن كثافة تناول الموضوعات الرقمية قد تجعل المحتوى أقرب إلى كتاب عن المواطنة الرقمية منه إلى مقرر متخصص في علم النفس.
وبحسب المذكرة، فإن الملاحظات الـ122 لا تقتصر على تصحيح أخطاء لغوية أو تحريرية متفرقة، وإنما تمتد إلى البنية العلمية للمحتوى، ودقة المفاهيم، وصياغة الأهداف، والعبء المعرفي، وتصميم الأنشطة والمهام الأدائية، وأدوات التقييم؛ وهو ما يستدعي، وفق رؤية حجازي، مراجعة شاملة للكتاب قبل اعتماده بصورته النهائية.





