أزمة أمام البرلمان
شركات التمويل.. حين يتحول القرض إلى مصيدة ديون تهدد البيوت
في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة في دعم الشمول المالي وتوفير أدوات تمويل تساعد المواطنين وأصحاب المشروعات الصغيرة على مواجهة أعباء المعيشة، تبرز شكاوى وتساؤلات متزايدة حول بعض ممارسات شركات التمويل متناهي الصغر والتمويل الاستهلاكي، وما إذا كانت بعض هذه الممارسات قد حولت القرض من وسيلة للمساعدة إلى عبء يطارد المواطن لسنوات.
أزمة أمام البرلمان
شركات التمويل.. حين يتحول القرض إلى مصيدة ديون تهدد البيوت
القضية لا تتعلق بأصل فكرة التمويل غير المصرفي، الذي يمثل أحد أدوات دعم النشاط الاقتصادي والشمول المالي، وإنما بالممارسات التي يُتهم بعض العاملين في القطاع باتباعها، بداية من شروط التعاقد، مرورًا بمصاريف وعمولات وغرامات، وصولًا إلى أساليب التحصيل عند تعثر العملاء.
هذه الأزمة التى آثارها النائب أحمد فرغلى، عضو مجلس النواب، في سؤال برلمانى للحكومة مؤكدا علي أن تجاوزت محفظة التمويل متناهي الصغر 101 مليار جنيه لنحو 4.1 مليون مستفيد، وهو ما يعكس حجم القطاع واتساع قاعدة المتعاملين معه ولكن مع هذا التوسع تظهر مخاوف من تحول بعض أشكال التمويل من دعم الأنشطة الإنتاجية والحرفية إلى تمويل احتياجات استهلاكية، بما قد يدفع بعض المواطنين إلى الاقتراض المتكرر لسداد التزامات سابقة، والدخول في دائرة يصعب الخروج منها.
وتزداد الخطورة عندما يكون المقترض من محدودي الدخل أو من الأسر التي تعتمد على دخل واحد، إذ يمكن أن يتحول التعثر في سداد الأقساط إلى أزمة تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها متطرقا إلى أنه من أبرز ما تضمنه السؤال البرلماني الحديث عن شكاوى بشأن إجبار بعض المقترضين والضامنين على توقيع إيصالات أمانة أو مستندات على بياض، بما يثير مخاوف من استخدام أدوات قانونية في مواجهة متعثرين في التزامات أصلها مدني وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات في أي حالة، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات قانونية ورقابية خطيرة حول مدى قانونية الإجراءات المتبعة، وما إذا كانت العقود والمستندات التي يوقع عليها العملاء تحمي حقوق الطرفين بصورة عادلة وهنا تظهر الحاجة إلى رقابة أكثر صرامة على إجراءات التعاقد والتحصيل، خاصة مع الفئات التي قد لا تمتلك الخبرة القانونية الكافية لفهم جميع بنود العقود.
جانب آخر من الأزمة يتعلق بما يثار حول وجود مصاريف إدارية وعمولات وغرامات تأخير وتكاليف إضافية قد تجعل المبلغ المستحق أكبر بكثير من قيمة التمويل الأصلي وهنا يصبح السؤال الأهم: هل يعرف المواطن قبل توقيع العقد القيمة النهائية التي سيدفعها بالكامل؟ وهل يتم توضيح تكلفة التمويل وجميع الرسوم والعمولات بصورة واضحة وغير قابلة للتأويل؟ فالتمويل المسؤول لا يعني فقط منح المواطن المال، وإنما التأكد من قدرته على السداد، وإطلاعه بصورة كاملة على تكلفة القرض، وعدم تحميله التزامات لا تتناسب مع دخله.
شركات تحصيل واتهامات بالتهديد والترويع
لا تتوقف الشكاوى عند حدود التعاقد، وإنما تمتد إلى مرحلة التحصيل، حيث تضمن السؤال البرلماني إشارات إلى استعانة بعض الشركات بجهات أو شركات لتحصيل الأموال، مع اتهامات باستخدام أساليب وصفها مقدمو الشكاوى بأنها تهديد أو ترويع أو ضغط على المواطنين وهنا تبرز ضرورة التفرقة بين حق الشركة في تحصيل مستحقاتها وفق القانون، وبين أي ممارسات تتجاوز الحدود القانونية أو تمس كرامة المواطن أو أمنه الشخصي والأسري والسؤال الذي يفرض نفسه: من يراقب شركات التحصيل؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتجاوز الإجراءات القانونية؟
التمويل الإلكتروني.. خطر آخر يهدد بيانات المواطنين
ومع انتشار التطبيقات والمنصات الإلكترونية، ظهرت مخاوف جديدة تتعلق بجهات غير مرخصة قد تقدم خدمات تمويل خارج الإطار القانوني، إلى جانب مخاطر التعامل مع البيانات الشخصية للمواطنين.وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يحصل تطبيق أو منصة غير مرخصة على بيانات حساسة للمستخدم، ثم يستخدمها في عمليات تحصيل أو ضغط على المقترض لذلك لا تتعلق القضية بالتمويل فقط، وإنما تمتد إلى حماية البيانات الشخصية ومواجهة منصات التمويل غير المرخصة.
أين الرقابة المالية؟
وسط هذه الشكاوى، يبرز الدور المحوري للهيئة العامة للرقابة المالية باعتبارها الجهة المعنية بالإشراف على قطاعات واسعة من أنشطة التمويل غير المصرفي.
ومن هنا جاء السؤال البرلماني الموجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير المالية، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية، بشأن ما وُصف بـالتجاوزات القانونية لبعض شركات التمويل وممارسات التحصيل، ومدى فاعلية الرقابة على هذه الأنشطة.
وتطرح المساءلة البرلمانية مجموعة من الأسئلة التي تنتظر إجابات رسمية، أبرزها: هل تم توقيع جزاءات أو عقوبات على شركات تمويل بسبب مخالفات مماثلة؟ وما طبيعة هذه الجزاءات؟ وهل توجد آليات فعالة لرصد ممارسات التحصيل؟ وكيف يتم التأكد من التزام الشركات بمبادئ التمويل المسؤول؟
السؤال البرلماني لا يطالب بإلغاء شركات التمويل أو وقف نشاطها، وإنما يفتح ملفًا أكثر أهمية يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين حق الشركات في الحصول على مستحقاتها، وحق المواطن في الحماية من الممارسات غير القانونية أو التعسفية.
كيف أصبح التمويل وسيلة لإنقاذ المواطن من أزماته.. ثم طريقًا إلى دائرة الغارمين؟
ويبقى على الجهات الحكومية والرقابية تقديم إجابات واضحة حول حقيقة هذه الشكاوى، وحجم المخالفات التي تم رصدها، وعدد الجزاءات التي تم توقيعها، وآليات الرقابة على شركات التحصيل، وكيفية حماية المواطنين من الوقوع في دائرة الديون المتراكمة فالقرض في الأصل أداة للإنقاذ وتحريك الاقتصاد، لكن عندما يغيب الوضوح والرقابة والتمويل المسؤول، يمكن أن يتحول من باب للخروج من الأزمة إلى باب جديد للأزمة.. ومن وسيلة لبناء مشروع إلى طريق نحو الغارمين.