رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هند فؤاد: الأسرة خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية للطفل في العصر الرقمي

أ. د. هند فؤاد السيد
أ. د. هند فؤاد السيد

قالت الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع ورئيس قسم المجتمعات الريفية والصحراوية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن الأسرة تظل الحاضنة الأولى للطفل، ومنها يتعلم أولى مفردات الانتماء، ويكتسب اللغة والعادات والقيم وطريقة النظر إلى المجتمع والوطن، مؤكدة أن تعزيز الهوية الوطنية لا يبدأ من المدرسة أو وسائل الإعلام، وإنما يبدأ داخل البيت من خلال الممارسات اليومية التي يعيشها الطفل ويرى والديه يمارسانها أمامه.

وأضافت السيد، لـ«إيجبتك»، أن أهمية دور الأسرة تتزايد في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها المجتمع المصري، موضحة أن الطفل لم يعد يتلقى ثقافته من الأسرة وحدها، وإنما يتعرض منذ سنواته الأولى لعشرات المؤثرات عبر الهاتف والمنصات الرقمية والألعاب والإعلانات والمحتوى العالمي.

وأوضحت أن الأسرة لم تعد المصدر الوحيد لتشكيل وعي الطفل، لكنها تظل المصدر الأكثر تأثيرًا في بناء قدرته على الاختيار والتمييز، مشيرة إلى أن الهوية الوطنية لا تعني أن يعيش الطفل بمعزل عن العالم أو يرفض الثقافات الأخرى، وإنما تعني امتلاكه أساسًا ثقافيًا وقيميًا راسخًا يجعله قادرًا على الانفتاح على الآخر دون أن يفقد إحساسه بذاته وانتمائه، ىفتةً إلى أن الطفل الذي يعرف تاريخ بلده ولغته وتراثه وقيم مجتمعه يكون أكثر قدرة على التعامل مع الثقافات المختلفة باعتبارها مصدرًا للمعرفة والخبرة، وليس باعتبارها بديلًا عن هويته.

وذكرت أن دور الأسرة يتمثل في تحويل الهوية الوطنية من مجرد شعارات إلى ممارسات يومية، من خلال الحديث مع الأبناء عن تاريخ مصر وشخصياتها ورموزها، واصطحابهم إلى المتاحف والمواقع التاريخية والمناسبات الوطنية، إلى جانب تعليمهم قيمة العمل والإتقان واحترام القانون والحفاظ على الممتلكات العامة ومساعدة الآخرين، مؤكدة أن هذه السلوكيات تمثل في جوهرها جزءًا أساسيًا من المواطنة والانتماء.

وأضافت أن اللغة تمثل أحد أهم مكونات الهوية، موضحة أن الحفاظ على اللغة العربية لا يعني رفض استخدام اللغات الأجنبية، وإنما الحفاظ على قدرة الطفل على التعبير بلغته والاعتزاز بها، مع تعلم اللغات الأخرى باعتبارها أدوات للمعرفة والتواصل، مؤكدة أن الانفتاح اللغوي والثقافي لا يتعارض مع الاعتزاز بالهوية.

تغير ملابس الأطفال وأطعمتهم لا يعني طمس الهوية

وقالت الدكتورة هند فؤاد السيد إن تغير أنماط ملابس الأطفال والأطعمة والمشروبات التي يفضلونها، نتيجة الانتشار الواسع للعلامات التجارية العالمية والإعلانات الرقمية والمؤثرين والمحتوى الذي تقدمه المنصات المختلفة، لا يعني بالضرورة طمس الهوية الوطنية.

وأوضحت أن ارتداء الطفل ملابس ذات تصميم عالمي أو تناول أطعمة غير مصرية لا يعني تلقائيًا أنه فقد هويته، مشيرة إلى أن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنتجات والأنماط الاستهلاكية الوافدة إلى منظومة تجعل الطفل يشعر بأن كل ما هو محلي أقل قيمة، أو أن الانتماء إلى الثقافة المحلية علامة على التخلف، أو أن القيمة الاجتماعية ترتبط فقط بما هو أجنبي أو عالمي.

ولفتت إلى أن المسألة في هذه الحالة تتحول من مجرد تغير في الذوق إلى تغير في منظومة القيم والتفضيلات والانتماءات، مؤكدة أن الحل لا يتمثل في منع الطفل من ارتداء ملابس معينة أو تناول أطعمة معينة، وإنما في تحقيق التوازن الثقافي.

وذكرت أن الأسرة يمكنها تقديم الأطعمة المصرية التقليدية بصورة جذابة، وتعريف الطفل بالمطبخ المصري وتنوعه، وجعل المناسبات العائلية فرصة لاستعادة بعض العادات الغذائية والاجتماعية الأصيلة، مع عدم منعه في الوقت نفسه من التعرف على مطابخ وثقافات أخرى.

وأضافت أن الأمر نفسه ينطبق على الملابس، إذ يمكن تقديم التراث المصري في صورة عصرية وجذابة، وربط بعض المناسبات بالملابس والعناصر التراثية، بما يجعل التراث بالنسبة للطفل شيئًا حيًا يمكن تطويره، وليس مجرد صورة قديمة موجودة في الكتب.

القوى الناعمة تصنع تفضيلات الطفل

وأكدت السيد أن التحدي الأكبر أمام الأسرة ربما لا يكمن في الملابس أو الطعام بحد ذاتهما، وإنما في القوى الناعمة التي تسهم في تشكيل تفضيلات الطفل، موضحة أن الطفل لا يختار دائمًا ما يشاهده أو ما يرغب في شرائه بصورة مستقلة، إذ تتدخل الخوارزميات والإعلانات والمؤثرون وشخصيات الألعاب والمحتوى الرقمي في تشكيل اهتماماته وتفضيلاته.

وأوضحت أن التربية الإعلامية والرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من حماية الهوية الوطنية، مشددة على ضرورة تعليم الطفل أن ما يراه على الشاشة ليس بالضرورة حقيقة أو نموذجًا مثاليًا للحياة، وأن الإعلان يستهدف إقناعه بالشراء، وأن المؤثر قد يقدم محتوى تجاريًا، وأن انتشار شيء ما على الإنترنت لا يعني بالضرورة أنه الأفضل أو الأكثر قيمة.

ولفتت إلى أن حماية الهوية في العصر الرقمي لا تتحقق بإغلاق النوافذ أمام العالم، وإنما بتكوين عقل قادر على الاختيار والتحليل والنقد.

حروب الجيل الرابع والخامس

وفيما يتعلق بما يثار حول حروب الجيل الرابع والخامس وعلاقتها بالهوية الوطنية، قالت الدكتورة هند فؤاد السيد إن مصطلحات «حروب الجيل الرابع والخامس» تُستخدم على نطاق واسع في النقاشات الأمنية والسياسية والإعلامية لوصف أنماط من الصراع تعتمد بدرجات مختلفة على التأثير في المجتمعات والمعلومات والرأي العام، بدلًا من الاقتصار على المواجهة العسكرية التقليدية.

وأكدت أنه من المهم عدم تحويل كل ظاهرة ثقافية أو انتشار منتج أجنبي إلى دليل تلقائي على وجود «حرب» أو مخطط لاستهداف الهوية، موضحة في الوقت نفسه أن المعلومات المضللة والتلاعب بالمحتوى والاستقطاب والتأثير الرقمي المنظم يمكن أن تستغل نقاط الضعف الموجودة بالفعل داخل أي مجتمع.

وأوضحت أن من بين نقاط الضعف التي يمكن استغلالها ضعف الوعي والاغتراب الثقافي وفقدان الثقة في المؤسسات أو القيم المحلية، مشددة على أن أفضل استجابة لا تتمثل في التخويف من الآخر أو منع الأطفال من التواصل مع العالم، وإنما في بناء المناعة الاجتماعية والثقافية.

وقالت إن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول، ليس لأنها تستطيع التحكم في كل ما يصل إلى الطفل، وإنما لأنها تستطيع منحه المعايير التي تمكنه من تقييم ما يصل إليه والتمييز بين المحتوى النافع والضار.

الهوية الوطنية تبدأ من السلوك اليومي

وشددت الدكتورة هند فؤاد السيد على أن الحفاظ على الهوية الوطنية لا يتحقق بالمنع وحده، ولا من خلال مطالبة الطفل بحفظ الأغاني الوطنية أو المعلومات التاريخية فقط، بينما يرى في حياته اليومية سلوكيات تتناقض مع قيم الانتماء.

وأضافت أن الطفل يتعلم الوطنية عندما يرى أسرته تحترم الآخرين، وتحافظ على الشارع، وتلتزم بالقانون، وتقدر العلم والعمل، وتحترم الاختلاف، وتساند المحتاج، وتحافظ على الممتلكات العامة، وتعتز بوطنها دون الإساءة إلى أوطان وثقافات أخرى.

وأكدت أن الهوية الوطنية تمثل منظومة متكاملة من اللغة والذاكرة والتاريخ والقيم والسلوك والشعور بالانتماء والمسؤولية، موضحة أن التحدي الحقيقي أمام الأسرة المصرية لا يتمثل في منع أبنائها من العالم، وإنما في منحهم جذورًا قوية تمكنهم من الانفتاح عليه.

ولفتت إلى أن العولمة لا يمكن مواجهتها بالعزلة، كما أن التكنولوجيا لا يمكن مواجهتها بالمنع، والتأثير الثقافي لا يمكن مواجهته بالرفض المطلق، وإنما بالوعي والثقة بالنفس والقدرة على الاختيار.

واختتمت قائلة إن الطفل الذي يعرف من هو، ومن أين جاء، وما القيم التي يؤمن بها، ويمتلك في الوقت نفسه عقلًا نقديًا منفتحًا على العالم، يكون أكثر قدرة على التفاعل مع المتغيرات دون أن تتحول العولمة إلى اغتراب، ودون أن يتحول الانفتاح إلى ذوبان للهوية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء