رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل ماتت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران ؟الكاتب نجاح محمد علي يجيب|خاص

نجاح محمد علي
نجاح محمد علي

بعد انقضاء مهلة الستين يوماً لـ «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق قد انتهى فعلياً أم أن الطرفين يستعدان لإعادة صياغته بشروط جديدة، وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن المرحلة السابقة لم تعد قابلة للتمديد، تتمسك طهران بأن أي تحرك نحو فتح مضيق هرمز أو استئناف التفاوض يجب أن يسبقه تنفيذ الالتزامات الأمريكية. وفي ظل تصاعد الخلاف حول الملف النووي والعقوبات وحرية الملاحة، تبدو الوساطات الإقليمية أمام اختبار حاسم لمنع عودة المواجهة. 

فهل ماتت مذكرة التفاهم أم أنها تتحول إلى ورقة تفاوض جديدة؟ وما الذي تريده واشنطن وطهران في المرحلة المقبلة؟ نناقش هذه التطورات مع الخبير في الشأن الإيراني «نجاح محمد علي».


«المذكرة» انتهت بصيغتها الأولى

يؤكد «علي» في تقديري، مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لم تمت تماماً، لكنها انتهت بصيغتها الأولى ودخلت عملياً مرحلة الاختبار الصعب، والقول إنها «سقطت» نهائياً قد يكون متسرعاً؛ لأن ما انهار هو الالتزام بمهلة الستين يوماً وآلية التنفيذ الأولى، بينما بقيت القضايا التي دفعت الطرفين إلى التفاوض قائمة، بل أصبحت أكثر تعقيداً.

وهنا قراءة المشهد من الزاويتين الأمريكية والإيرانية: مذكرة التفاهم: اتفاق انتهت مهلته أم قناة تفاوض لم تمت؟

وقّعت واشنطن وطهران مذكرة التفاهم في 17 يونيو، وكانت الفكرة الأساسية الانتقال من وقف مؤقت للقتال إلى تفاوض أوسع لإنهاء الحرب، مع إعادة فتح مضيق هرمز وفتح مسار لمعالجة الملف النووي والقضايا المرتبطة بالصراع. 

البيت الأبيض قدّمها في حينه باعتبارها إنجازاً أمريكياً تحقق من موقع القوة، وقال صراحة إنها تستهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة فتح هرمز أمام الملاحة.

لكن المهلة التي أعطتها المذكرة، وهي 60 يوماً، انتهت في 17 آب/أغسطس من دون اتفاق نهائي. والأهم أن الرئيس دونالد ترامب أعلن أنه لا يريد تمديد المذكرة بصيغتها الحالية، بينما أصبحت واشنطن وطهران أبعد عن الاتفاق مما كانتا عليه عند توقيعها.

أولا: ماذا تريد واشنطن؟

من وجهة النظر الأمريكية، المشكلة ليست فقط في وقف الحرب. واشنطن تريد أن يتحول وقف إطلاق النار إلى ترتيب استراتيجي دائم.

وهذا يعني، وفق الخطاب الأمريكي، ضمان ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وتقييد قدرتها على إعادة بناء المنظومة العسكرية التي يمكن أن تهدد القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة، وضمان حرية الملاحة في هرمز.

وهنا ظهر الخلاف الأكبر، واشنطن تريد أن يكون فتح هرمز شرطاً أساسياً للتقدم، بينما طهران تتعامل معه كورقة تفاوضية مرتبطة بتنفيذ الالتزامات الأمريكية.

ولهذا رفض ترامب تمديد المذكرة، وعاد إلى لغة الضغط القصوى، بل طالب إيران بالاستسلام، وهدد سلطنة عُمان بسبب تعاونها مع طهران في ملف المضيق.

لكن هناك نقطة مهمة في القراءة الأمريكية: ترامب لا يريد بالضرورة حرباً بلا نهاية. الولايات المتحدة تواجه كلفة اقتصادية وسياسية وعسكرية متزايدة للحرب، وإغلاق هرمز يضغط على أسعار النفط والأسواق العالمية. وقد تجاوز سعر خام برنت 91 دولاراً وسط تصاعد المخاطر المرتبطة بالمضيق.

لذلك فإن رفض تمديد المذكرة لا يعني بالضرورة أن واشنطن اختارت الحرب إلى الأبد؛ قد يعني أن ترامب يريد اتفاقاً جديداً بشروط أمريكية أقوى.

ثانياً: كيف تقرأ طهران المذكرة؟

هنا تختلف الصورة جذرياً: إيران لا تقول إن التفاوض انتهى. لكنها تقول إن المهلة فقدت معناها لأن الولايات المتحدة، من وجهة نظرها، لم تنفذ التزاماتها.

وهذا مهم جداً، محمد باقر قاليباف، الذي يشغل موقعاً تفاوضياً رئيسياً، قال في 18 آب/أغسطس إن هرمز سيبقى مغلقاً إلى أن تنفذ واشنطن شروطاً مرتبطة بالترتيب السابق، بينها رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإلغاء العقوبات النفطية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف العمليات والتهديدات العسكرية.

إذن إيران تقلب المعادلة الأمريكية: واشنطن تقول: افتحوا هرمز أولاً ثم نتحرك نحو التسوية.

بينما تقول طهران عملياً: نفذوا التزاماتكم أولاً، وعندها يمكن أن يصبح فتح هرمز جزءاً من التسوية.

وهذا ليس خلافاً تفصيلياً؛ إنه خلاف على من يقدم التنازل الأول ومن يملك ورقة الضغط الأقوى.

ثالثاً: لماذا أصبح هرمز عقدة المفاوضات؟

لأن هرمز تحول من ملف ملاحي إلى ملف سيادي وأمني واستراتيجي.

إيران تنظر إلى المضيق باعتباره جزءاً من أمنها الإقليمي، خصوصاً بعد الحرب. ولذلك لا تريد أن تفتح الممر في الوقت الذي تبقى فيه الولايات المتحدة في حالة مواجهة معها، ولا تريد أن تتحول حرية الملاحة إلى وسيلة ضغط عسكري عليها.

وهنا تحديداً أصبحت المفاوضات الإيرانية ــ العُمانية ذات أهمية كبيرة.

طهران ومسقط تعملان على ترتيبات لإدارة الحركة التجارية في المضيق، بينما تنظر واشنطن بقلق إلى أي صيغة تمنح إيران نفوذاً أكبر على حركة الملاحة. وتقول تقارير حديثة إن طهران ومسقط اقتربتا من ترتيب بشأن الملاحة التجارية، وهو أحد أسباب التوتر الأمريكي مع عُمان.

وهذا يكشف شيئاً مهماً: المعركة على هرمز أصبحت جزءاً من المعركة على شكل النظام الإقليمي بعد الحرب.

رابعاً: هل انتهت الدبلوماسية؟

الإجابة لا، وهنا أعتقد أن القراءة التي تقول «انتهت المفاوضات» غير دقيقة.

المفاوضات المباشرة مجمدة أو متعثرة، لكن قنوات الوساطة لم تتوقف. سلطنة عُمان ما زالت تتحرك، وباكستان تحاول الدفع نحو صيغة جديدة، كما توسعت الاتصالات إلى أطراف أوروبية مثل النمسا واليونان.

والأهم أن وجود هذه الوساطات يعني أن جميع الأطراف تدرك أن الحرب وحدها لا تقدم مخرجاً سهلاً.

إيران تحتاج إلى تخفيف العقوبات والضغط الاقتصادي، والولايات المتحدة تحتاج إلى إنهاء الحرب بشروط يمكن أن تقدمها للرأي العام الأمريكي باعتبارها نتيجة للضغط والقوة، والعالم يحتاج إلى عودة الاستقرار في هرمز.

لذلك فإن الحاجة إلى الاتفاق ما زالت موجودة، حتى لو ماتت صيغة الاتفاق الأولى.

خامساً: أين يمكن أن تلتقي واشنطن وطهران؟

أعتقد أن هناك أربع نقاط يمكن أن تشكل أساساً لمذكرة جديدة:

1. وقف عسكري متبادل ومستقر.
2. ترتيب واضح للملاحة في مضيق هرمز.
3. تفاهم نووي جديد بضمانات متبادلة.
4. تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق.

لكن المشكلة أن كل طرف يريد أن يحصل على الضمانات قبل أن يقدم التنازلات.

مأزق ترامب

إذا أعطى إيران تخفيفاً للعقوبات قبل حصوله على تنازلات نووية وأمنية واضحة، سيُتهم بأنه قدم تنازلات بعد حرب طويلة.

وإذا رفض تقديم أي تنازل قبل أن تستسلم طهران لشروطه، فقد لا يحصل على الاتفاق الذي يريد، وقد تستمر الحرب ويتفاقم الضغط الاقتصادي العالمي.

أما إيران، فمشكلتها مختلفة: هي لا تريد أن يتحول وقف الحرب إلى مرحلة تمهّد لجولة عسكرية جديدة بعد أن تكون قد تخلت عن أوراق قوتها.

ولهذا ترفع سقف شروطها.

ما مصير المذكرة؟

تقديري أن المذكرة بصيغتها الحالية انتهت عملياً، لكن فكرة التفاهم الأمريكي ــ الإيراني لم تنتهِ.

والأرجح أننا أمام مرحلة تفاوض جديدة، قد تكون أصعب من المرحلة الأولى، لأن الطرفين دخلاها وهما أكثر تشككاً في نوايا الآخر.

والسؤال الحاسم ليس: هل ستعود المذكرة؟ بل:هل تستطيع واشنطن وطهران إنتاج مذكرة جديدة تتجاوز عقدة هرمز، وتربط الملف النووي بالعقوبات والأمن الإقليمي، من دون أن يشعر أي طرف بأنه وقع وثيقة استسلام؟

حتى اللحظة، المؤشرات ليست إيجابية. واشنطن تقول إن المهلة انتهت وإنها لا تريد تمديدها، وطهران تقول إن الولايات المتحدة لم تنفذ التزاماتها وإن هرمز لن يُفتح قبل معالجة هذه الالتزامات. وفي الوقت نفسه، يزداد الخطاب العسكري حدة؛ فقد نقلت تقارير في 17 آب/أغسطس عن مسؤول إيراني كبير أن طهران قد تنتقل إلى وضع عسكري «هجومي بالكامل» إذا فشلت الدبلوماسية.

هل الحرب حُسمت كخيار؟

النتيجة الأكثر دقة حتى الآن: المذكرة ماتت كجدول زمني، لكنها لم تمت كفكرة تفاوضية.

والأيام المقبلة ستحدد إن كانت واشنطن وطهران ستعيدان تدويرها في صيغة جديدة، أم أن فشلها سيفتح الباب أمام جولة تصعيد جديدة.

وفي رأيي، مفتاح الحل ليس في واشنطن وحدها ولا في طهران وحدها؛ إنه في القدرة على إنتاج صفقة تحفظ ماء وجه الطرفين، وتضمن أمن إيران، وتمنع انتشار السلاح النووي، وتعيد فتح هرمز، وتوقف الحرب بدلاً من تحويل الهدنة المؤقتة إلى مجرد استراحة بين جولتين عسكريتين.

وهنا تكمن أهمية الوساطات الإقليمية: لأنها قد تكون الطريق الوحيد لإيجاد صيغة لا تستطيع واشنطن وطهران الوصول إليها مباشرة في ظل انعدام الثقة الحالي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء