هربرت جورج ويلز.. تنبؤات تحققت وأخرى أخطأ فيها قبل عقود
تحل ذكرى ميلاد الكاتب البريطاني هربرت جورج ويلز، أحد أبرز مؤسسي أدب الخيال العلمي، والذي ترك إرثًا أدبيًا تجاوز حدود الرواية والقصص القصيرة، واستمرت شهرته بعد رحيله بفضل عدد من الأعمال التي ناقشت مستقبل الإنسان وتطور المجتمع والتكنولوجيا. ومن بين أبرز كتبه «توقعات» الذي نشره عام 1901، وقدم من خلاله مجموعة من التصورات حول شكل العالم بحلول عام 2000، ليتحول الكتاب لاحقًا إلى مادة مثيرة للمقارنة بين ما تخيله الكاتب وما تحقق بالفعل.
«توقعات».. كيف رأى ويلز العالم في عام 2000؟
قدم هربرت جورج ويلز في كتاب «توقعات» مجموعة من الأفكار حول المستقبل، مستندًا إلى ملاحظاته للتغيرات الصناعية والاجتماعية التي كانت تحدث في عصره، وحاول من خلالها تصور الاتجاه الذي يمكن أن يسير فيه العالم خلال العقود التالية. وعلى الرغم من أن ويلز رحل عام 1946، أي قبل الموعد الذي حدده لتوقعاته بنحو 54 عامًا، فإن عددًا من أفكاره بدت قريبة بصورة لافتة من تطورات حدثت بالفعل خلال القرن العشرين.
ومن بين أبرز توقعاته ما يتعلق بتطور وسائل النقل، حيث تحدث عن انتشار السيارات والقطارات وتأثير ذلك في حركة السكان، وما يمكن أن ينتج عنه من انتقال أعداد أكبر من الناس من المدن إلى المناطق المحيطة بها والضواحي. ومع اتساع استخدام السيارات وتطور شبكات النقل في القرن العشرين، أصبح هذا التصور قريبًا من واقع العديد من المجتمعات الحديثة التي شهدت توسعًا عمرانيًا متزايدًا خارج مراكز المدن.
توقع تغيرات اجتماعية وسياسية
لم تقتصر توقعات ويلز على التكنولوجيا ووسائل النقل، وإنما امتدت إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن يشهدها العالم. ومن بين الأفكار التي نُسبت إلى توقعاته تصوره لتحرر العلاقات الجنسية تدريجيًا من عدد من القيود الاجتماعية التي كانت سائدة في بدايات القرن العشرين، وهي تحولات شهدتها المجتمعات الغربية بصورة أكبر خلال العقود التالية.
كما تضمنت رؤيته للمستقبل توقعات بشأن تراجع القوة العسكرية الألمانية وظهور كيان أوروبي أكثر تكاملًا، وهي الفكرة التي رأى البعض أنها تقترب من ظهور الاتحاد الأوروبي بعد عقود من رحيله، رغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية التي أدت إلى نشأته عن التصور الذي قدمه ويلز في كتابه.
«أول رجال على سطح القمر»
وظهر خيال ويلز العلمي أيضًا في روايته «أول رجال على سطح القمر»، التي قدم من خلالها تصورًا لرحلة بشرية إلى القمر في وقت كانت فيه فكرة السفر إلى الفضاء تبدو بعيدة للغاية عن الواقع. وعلى الرغم من أن الرواية عمل أدبي تخيلي وليست توقعًا علميًا بالمعنى الدقيق، فإنها أصبحت من الأعمال التي سبقت عصرها في تناول فكرة استكشاف الفضاء ورحلات الإنسان خارج الأرض.
وتكشف هذه الأعمال عن اهتمام ويلز المبكر بتأثير التطور العلمي والتكنولوجي في مستقبل البشر، وهو ما جعل اسمه يرتبط بصورة وثيقة بتاريخ أدب الخيال العلمي، خاصة مع اعتماده على أفكار تتعلق بالزمن والفضاء والتكنولوجيا والتحولات التي يمكن أن تطرأ على الإنسان والمجتمع.
تنبؤات لم تتحقق.. أين أخطأ ويلز؟
ورغم ما أصاب فيه ويلز من توقعات، فإن رؤيته للمستقبل لم تكن دقيقة في جميع الحالات، إذ أخطأ في عدد من تصوراته المتعلقة بالتكنولوجيا. ومن أبرزها موقفه من الغواصات، التي لم يتوقع نجاحها بالشكل الذي حدث لاحقًا، كما رأى أن تحقيق الطيران سيحتاج إلى فترة أطول، بينما أثبت الواقع إمكانية تطوير الطائرات واستخدامها قبل الموعد الذي تصوره.
وتوضح هذه التوقعات المتحققة وغير المتحققة أن ويلز لم يكن يتنبأ بالمستقبل بصورة سحرية، وإنما كان يحاول قراءة الاتجاهات العلمية والاجتماعية التي بدأت تظهر أمامه في عصره، ثم دفعها إلى نتائج مستقبلية محتملة. ولهذا بقيت كتاباته مثيرة للاهتمام، ليس فقط بسبب ما أصاب فيه، وإنما أيضًا بسبب الطريقة التي حاول بها تخيل عالم لم يكن قد وصل إليه بعد.
من «آلة الزمن» إلى «حرب العوالم»
ولد هربرت جورج ويلز في 21 سبتمبر عام 1866، وكتب خلال مسيرته عددًا كبيرًا من الروايات والقصص التي جعلته واحدًا من أهم الأسماء في تاريخ أدب الخيال العلمي. وكانت روايته «آلة الزمن»، التي صدرت عام 1895، من أبرز أعماله، وتناولت فكرة السفر عبر الزمن وما يمكن أن يكشفه المستقبل عن مصير البشرية.
وفي عام 1896، نشر «جزيرة الدكتور مورو»، التي تناولت عالمًا يجري تجارب تحول الحيوانات إلى كائنات بشرية، ثم قدم عام 1897 «الرجل الخفي»، حول عالم ينجح في إخفاء نفسه، قبل أن ينشر عام 1898 واحدة من أشهر رواياته «حرب العوالم»، التي تخيلت غزو كائنات قادمة من المريخ لكوكب الأرض.
وبفضل هذه الأعمال وغيرها، أصبح ويلز واحدًا من أبرز الكتاب الذين أسهموا في تأسيس أدب الخيال العلمي الحديث، وظلت أفكاره حاضرة بعد رحيله، خاصة كلما شهد العالم تطورًا علميًا أو تكنولوجيًا جعل القراء يعودون إلى أعماله بحثًا عن الأفكار التي سبق أن تخيلها قبل عقود طويلة.





