رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صلاح عبد الصبور شاعر الحزن الذي انتهت حياته باتهامات بالخيانة

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور

تحل ذكرى رحيل الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، أحد أبرز رواد الشعر الحر في مصر والعالم العربي، والذي ترك تجربة شعرية ومسرحية أثرت في مسار الأدب العربي الحديث، قبل أن تنتهي حياته بصورة درامية في أغسطس عام 1981، إثر أزمة قلبية تعرض لها خلال سهرة جمعت عددًا من أصدقائه المثقفين، بعد أشهر قاسية عاشها الشاعر وسط انتقادات واتهامات بسبب موقف ارتبط بمشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

ولد صلاح عبد الصبور عام 1931، وتخرج في كلية الآداب عام 1951، وبدأ رحلته مع الشعر في مرحلة شهدت تحولات كبيرة في شكل القصيدة العربية، فانحاز إلى البناء الحر، وأصبح خلال سنوات قليلة واحدًا من أبرز الأصوات التي أسهمت في ترسيخ تجربة الشعر الحر في مصر والعالم العربي، ولم يقتصر مشروعه على كتابة القصيدة، بل امتد إلى المسرح الشعري والنقد والترجمة والدراسات الأدبية والفكرية.

«شنق زهران» تفتح له أبواب الشهرة

ارتبطت شهرة صلاح عبد الصبور الأدبية بقصيدة «شنق زهران»، التي صدرت ضمن ديوانه الأول «الناس في بلادي» عام 1957، واستلهم فيها حادثة دنشواي وما تعرض له عدد من المصريين من أحكام قاسية خلال الاحتلال البريطاني، ليقدم من خلالها نموذجًا للشعر الذي يجمع بين التعبير الفني والانشغال بالقضايا الوطنية والإنسانية.

وكانت «شنق زهران» بداية لمسيرة شعرية طويلة، قدم خلالها عبد الصبور عددًا من الدواوين المهمة، من بينها «أقول لكم»، و«أحلام الفارس القديم»، و«تأملات في زمن جريح»، و«شجر الليل»، و«الإبحار في الذاكرة»، وهي أعمال رسخت مكانته واحدًا من أهم شعراء الحداثة العربية، وفتحت أمام القصيدة مساحات جديدة للتعبير عن الإنسان وأزماته وأسئلته.

من القصيدة إلى المسرح الشعري

لم يتوقف مشروع صلاح عبد الصبور عند الشعر، إذ اتجه إلى المسرح الشعري، وقدم عددًا من الأعمال التي أصبحت علامات في تاريخ المسرح العربي، وكان من أبرزها «مأساة الحلاج» التي كتبها عام 1964، مستندًا إلى قصة المتصوف الحلاج، لكنه أعاد تقديمها بصورة تتجاوز الحكاية التاريخية لتصبح تعبيرًا عن صراع الإنسان مع الظلم والسلطة والمصير.

وتوالت أعماله المسرحية بعد ذلك، ومنها «مسافر ليل»، و«الأميرة تنتظر»، و«ليلى والمجنون»، و«بعد أن يموت الملك»، وظهرت في هذه الأعمال مجموعة من الموضوعات التي ظلت حاضرة في تجربته، وعلى رأسها الظلم والحزن والاغتراب والصراع بين الإنسان والسلطة، وهو ما منح مسرحه طابعًا رمزيًا وإنسانيًا جعله حاضرًا في الذاكرة الأدبية حتى اليوم.

أزمة مشاركة إسرائيل في معرض الكتاب

في بداية عام 1981 وجد صلاح عبد الصبور نفسه في مواجهة أزمة أثرت بصورة كبيرة على أشهره الأخيرة، بعدما وافقت السلطة المصرية آنذاك على مشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بينما كان عبد الصبور يشغل منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو ما وضعه في موقف شديد الحساسية أمام قطاع من المثقفين الرافضين للتطبيع.

وأصبح الشاعر هدفًا لانتقادات متواصلة من بعض المثقفين الذين حملوه مسؤولية السماح بمشاركة إسرائيل في المعرض، رغم الروايات التي تحدثت عن أن القرار جاء من السلطة وأن عبد الصبور كان في موقف بالغ الصعوبة بحكم منصبه، لتستمر حالة الجدل حوله خلال الأشهر الأخيرة من حياته، ويعيش تحت ضغط الاتهامات التي وصلت إلى حد التشكيك في موقفه الوطني.

الليلة الأخيرة.. اتهام أنهى سهرة الأصدقاء

بحسب الرواية التي نقلها وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور، اجتمع صلاح عبد الصبور في ليلة وفاته مع عدد من أصدقائه المثقفين في منزل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وحضر السهرة كل من جابر عصفور، وأمل دنقل وزوجته عبلة الرويني، إلى جانب الرسام بهجت عثمان وزوجة عبد الصبور سميحة غالب.

وخلال السهرة احتدم النقاش بين الحاضرين حول عدد من القضايا السياسية والثقافية، ووفق رواية عصفور، وجه بهجت عثمان إلى صلاح عبد الصبور اتهامًا مباشرًا بالبيع والخيانة، في إشارة إلى موقفه من مشاركة إسرائيل في معرض الكتاب، وهو ما أثّر بشدة في الشاعر، الذي لم يرد على الاتهام واختار الصمت، قبل أن تظهر عليه علامات التعب والإعياء.

أزمة قلبية تنهي حياة شاعر الحزن

لم تمر سوى لحظات حتى تعرض صلاح عبد الصبور لأزمة قلبية حادة، وفارق الحياة في تلك الليلة من أغسطس عام 1981، لتنتهي حياة واحد من أبرز شعراء الشعر الحر في مصر والعالم العربي بصورة درامية، وكأن الحزن الذي ظل حاضرًا في قصائده ومسرحياته أصبح جزءًا من خاتمة حياته نفسها.

وتبقى المفارقة الأبرز في مسيرة صلاح عبد الصبور أن الشاعر الذي بدأت شهرته بقصيدة عن «زهران» الذي أصبح رمزًا للظلم والاستعمار، والذي انشغل طوال مسيرته بقضايا الإنسان والحرية والظلم، رحل بعدما لاحقته اتهامات بالخيانة الوطنية، وظلت تفاصيل موقفه من مشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في سيرته.

صلاح عبد الصبور.. إرث شعري يتجاوز النهاية

وإلى جانب دواوينه وأعماله المسرحية، ترك صلاح عبد الصبور عددًا من المؤلفات والدراسات التي تناولت الشعر والأدب والفكر والتاريخ، كما شارك في مجال الترجمة، وحصل خلال حياته على جائزة الدولة التشجيعية عام 1966، بينما حصل بعد رحيله على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1982.

وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، لا تزال أعمال صلاح عبد الصبور حاضرة في المشهد الأدبي العربي، سواء من خلال قصائده أو مسرحياته أو أفكاره النقدية، لتظل تجربته واحدة من التجارب التي ساهمت في تغيير شكل القصيدة العربية الحديثة، بينما تبقى نهايته المأساوية جزءًا من السيرة التي زادت قصائده الحزينة حضورًا وتأثيرًا في وجدان القراء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء