موضوع خطبة الجمعة القادمة بالمساجد.. تعرف عليه
حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق 24 صفر 1448هـ/ 7 أغسطس - 2026م بعنوان: «التنمر وأثره على شخصية الإنسان» وتكون الخطبة الثانية عن «السخرية ليست خفة ظل».
موضوع خطبة الجمعة
الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وأصلي وأسلم على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنَّ المجتمعاتِ لا تُقاس برقيِّ عمرانها ولا بما بلغتْه من مظاهر التقدُّم المادي فحسب، وإنما تُقاس قبل ذلك بما يسودها من قيم الرحمة والاحترام وصيانة الكرامة الإنسانية، وإن من أخطر الآفات التي تهدِّد هذه القيم، وتفتك بالنسيج الاجتماعي، آفة التنمُّر؛ والتي تقوم على ازدراء الآخرين، والحطِّ من قدرهم، وإيذائهم قولًا أو فعلًا أو إشارةً، حتى غَدَت في عصرنا من أكثر السلوكيات انتشارًا في البيئات التربوية والأسرية والعملية، ثم اتسعت رقعتها عبر وسائل التواصل الرقمي، فخلَّفت جراحًا نفسيةً عميقة، وآثارًا اجتماعيةً وأخلاقيةً بالغة الخطورة.
وقد جاءتِ الشريعةُ الإسلامية بمنهج متكامل يجتثُّ جذور هذه الآفة قبل مظاهرها، إذ التنمُّر اعتداء على حقٍّ أصيل من حقوق الإنسان، وإفسادٌ للعلاقات بين الناس، وهو منافٍ لمقاصد الشريعة التي قامت على حفظ الكرامة، وتحقيق الألفة، وإشاعة الرحمة، وبناء مجتمعٍ تسوده المودة والاحترام المتبادل، وإليك بيان ذلك:
إن التنمر حرام في شريعة الإسلام وفي كل شريعة، وفي كل فكر صادق وفلسفة راقية، فإن الإيذاء والسخرية لا تكون عنوانًا لصاحب دين أو فكر مستقيم، قال الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
ولا تقف آثار آفة التنمر عند الآثار الظاهرة؛ بل تمتد عابرةً حدود لحظة الاعتداء الجسدي أو الكلمة الجارحة، لتترك ندوبًا عميقة في نفس الضحية، ثم تنعكس سلبًا على الأسرة والمؤسسات التعليمية وبيئة العمل، بل وعلى أمن المجتمع واستقراره.
الخطبة الثانية: السخرية ليست خفة ظل
يخطئ كثير من الناس حين يظنون أن السخرية لونٌ من ألوان خفة الظل، أو وسيلة لإضفاء البهجة على المجالس، فيتخذون من مشاعر الآخرين مادةً للضحك، ومن عيوبهم أو هيئاتهم أو ظروفهم سبيلًا للتسلية والترفيه، وما علموا أن الكلمة الساخرة قد تضحك مجلسًا لحظاتٍ، لكنها قد تُبكي قلبًا سنين، وأن الجرح الذي تُحدثه الألفاظ قد يكون أشد وقعًا وأطول أثرًا من جراح الأبدان، فما كانت خفة الظل يومًا في الانتقاص من الناس، ولا الذكاء في إحراجهم، وإنما في حسن الأدب، وجمال الكلمة، ولطف المعاملة، وإدخال السرور إلى النفوس من غير أذى ولا امتهان.
وقد جاء الإسلام ليهذب اللسان كما يهذب الجوارح، فحرَّم السخرية والاستهزاء واللمز والتنابز بالألقاب، وعدَّها من صور الظلم والعدوان على الكرامة الإنسانية، فقال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ...﴾ [...الحجرات: ١١]، فالمؤمن يزن كلماته بميزان الشرع والأخلاق، ويعلم أن الكلمة مسؤولية، وأن الاحترام أساس العلاقات الإنسانية، وأن الضحك الذي يقوم على إذلال الآخرين ليس خفة ظل، وإنما خفة عقل، وسوء خلق، وانحراف عن هدي الإسلام.





