هل انتهت الحرب؟ نجاح محمدعلي يقرأ رسائل الوساطة العمانية ببن«واشنطن_طهران»
بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، جاءت لحظة وقف إطلاق النار متزامنة مع تحرك دبلوماسي لافت تمثل في زيارة وفد عُماني رفيع المستوى إلى طهران، ما أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت المنطقة قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها التفاوض غير المباشر، أم أن الهدوء الحالي لا يعدو كونه استراحة مؤقتة تسبق جولة أخرى من المواجهة.
في هذا الحوار، يقرأ الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية "نجاح محمد علي" أبعاد هذا التزامن، ويحلل طبيعة التحركات السياسية الجارية، ودور سلطنة عُمان في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن، كما يناقش السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة، وما إذا كانت الدبلوماسية نجحت في إبعاد شبح الحرب أم أنها لا تزال تعمل تحت سقف تصعيد قابل للعودة في أي لحظة.
بداية.. كيف تقرأ التزامن بين وقف العمليات العسكرية وزيارة الوفد العُماني إلى طهران؟
يؤكد الكاتب نجاح محمد علي: التوقيت في العلاقات الدولية لا يكون عادةً مصادفة، بل يعد أحد أهم المؤشرات لفهم طبيعة التحركات السياسية، فالإعلان عن وقف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما أعقبه من توقف الرد العسكري المباشر من الجانب الإيراني، تزامن مع وصول وفد عُماني رفيع المستوى إلى طهران، وهو ما يمنح هذا التحرك أبعاداً تتجاوز ما أعلن رسمياً.
ورغم أن البيانات الرسمية ركزت على ملفات تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز وخفض مستوى التوتر، فإن التاريخ الطويل للوساطة العُمانية بين طهران وواشنطن يجعل من الصعب النظر إلى الزيارة باعتبارها بروتوكولية فقط، خاصة أن سلطنة عُمان لعبت خلال العقدين الماضيين دور القناة الأكثر فاعلية في نقل الرسائل بين الطرفين، سواء خلال المفاوضات النووية أو أثناء إدارة الأزمات الأمنية والعسكرية.

كيف تنظر إلى ما دار داخل الإدارة الأمريكية قبل قرار وقف العمليات؟
يقول "علي": وفق ما نشرته وسائل إعلام أمريكية، من بينها صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن قرار وقف العمليات العسكرية جاء بعد مراجعات واسعة داخل الإدارة الأمريكية شملت تقييم القدرة على استمرار العمليات، ومستوى الجاهزية العسكرية، وحجم المخاطر التي قد تترتب على استمرار التصعيد.
كما أشارت تحليلات نشرتها مجلة "فورين أفيرز" إلى أن أي مواجهة طويلة الأمد مع إيران ستفرض على الولايات المتحدة تكلفة استراتيجية مرتفعة لا تقتصر على الجانب العسكري، وإنما تمتد إلى أمن الطاقة العالمي، واستقرار الحلفاء في المنطقة، فضلاً عن قدرة واشنطن على إدارة أزمات متزامنة في أكثر من ساحة دولية.
ومن ثم، فإن قرار وقف العمليات يبدو أقرب إلى إعادة تقييم للحسابات الاستراتيجية وليس تخلياً عن الأهداف السياسية التي تسعى إليها الولايات المتحدة.
هل يعني وقف العمليات أن الخيار العسكري أصبح خارج الحسابات الأمريكية؟
لا يمكن الجزم بذلك، لأن العقيدة العسكرية تقوم على أن وقف العمليات لا يعني التخلي عن الخيارات العسكرية، وإنما قد يكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تقييم نتائج المرحلة السابقة، وتعزيز الجاهزية إذا اقتضت التطورات ذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن دراسة خيارات أخرى، سواء كانت عمليات محدودة أو إعادة انتشار للقوات أو تعزيز الوجود العسكري، يظل ضمن السيناريوهات التي تناقشها المؤسسات العسكرية، دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار فعلي بتنفيذها.
لماذا تبدي واشنطن حذراً كبيراً تجاه أي حرب برية مع إيران؟
الحرب البرية مع إيران تختلف جذرياً عن العمليات الجوية أو البحرية، فالجغرافيا الإيرانية الواسعة، وتنوع التضاريس، وطبيعة خطوط الإمداد، تجعل أي تدخل بري واسع النطاق عملية معقدة ومرتفعة الكلفة عسكرياً وسياسياً.
كما أن أي توسع في العمليات الميدانية قد يؤدي إلى انتقال التوتر إلى ساحات إقليمية أخرى، وهو ما حذر منه مسؤولون إيرانيون سابقون، معتبرين أن أي حرب واسعة لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، وإنما ستكون لها انعكاسات إقليمية واسعة.
هناك حديث متكرر عن الجزر الإيرانية في مضيق هرمز.. كيف تفسر ذلك؟
الجزر ذات الموقع الاستراتيجي، سواء كانت جزيرة قشم أو غيرها، تظل جزءاً من أي دراسة عسكرية نظراً لإشرافها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن السيطرة على إحدى هذه الجزر لا تعني السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، كما أنها لا تمنح أفضلية استراتيجية حاسمة بمفردها، بل قد تتحول إلى عبء عسكري إذا استدعت حمايتها وجوداً دائماً في منطقة تتسم بدرجة عالية من التعقيد العملياتي.
برأيك.. ما الرسائل التي حملها الوفد العُماني إلى طهران؟
تشير معلومات متطابقة من طهران ومسقط إلى أن الوفد العُماني حمل رسائل أمريكية مباشرة إلى الجانب الإيراني، وهو أمر ينسجم مع الدور التاريخي الذي اضطلعت به سلطنة عُمان في إدارة الاتصالات غير المباشرة بين البلدين.
فقد استضافت مسقط قبل سنوات اجتماعات سرية بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين مهدت للمفاوضات التي انتهت بإبرام خطة العمل الشاملة المشتركة الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني عام 2015.
ومن المرجح أن تكون الرسائل الحالية مرتبطة بمحاولة تثبيت التهدئة، أو استكشاف فرص استئناف الاتصالات السياسية، أو بحث ترتيبات تحول دون عودة التصعيد العسكري، وربما تشمل هذه الأهداف مجتمعة.
ما أبرز الأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة؟
هناك ثلاثة أسئلة رئيسية ستحدد اتجاه الأزمة خلال الفترة المقبلة.
السؤال الأول يتعلق بما إذا كان وقف العمليات العسكرية يمثل بداية لمسار تفاوضي جديد، أم أنه مجرد هدنة تكتيكية مؤقتة قد تعقبها مواجهة جديدة.
أما السؤال الثاني، فيرتبط بمدى قدرة الوساطة العُمانية على تحويل وقف إطلاق النار إلى تفاهمات أكثر استقراراً بين الطرفين.
ويبقى السؤال الثالث مرتبطاً بإمكانية استمرار ضبط التصعيد، أم أن أي حادث ميداني قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية.
في الختام.. كيف ترى المشهد الحالي؟
الحدث الأكثر أهمية خلال الأيام الماضية لا يتمثل فقط في وقف العمليات العسكرية أو في زيارة الوفد العُماني، وإنما في تزامنهما، وهو ما يشير إلى أن الأزمة قد تكون انتقلت من مرحلة إدارة المواجهة العسكرية إلى مرحلة إدارة التفاوض السياسي.
ومع ذلك، فإن هذا التطور لا يعني بالضرورة انتهاء احتمالات التصعيد، فالتجارب السابقة في المنطقة تؤكد أن فترات الهدوء قد تتحول إلى بوابة لمفاوضات ناجحة، كما قد تكون مجرد استراحة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.
لذلك، يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل نجحت الدبلوماسية في منح الأطراف الوقت الكافي لمنع اندلاع مواجهة جديدة، أم أن هذا الوقت يُستثمر في إعادة ترتيب الأوراق استعداداً لمرحلة أخرى من الصراع؟




