26 يوليو 1952.. كواليس آخر لقاء بين الملك فاروق ومحمد نجيب
يُعد اللقاء الذي جمع الملك فاروق باللواء محمد نجيب على متن اليخت الملكي المحروسة في 26 يوليو 1952 من أبرز المشاهد الإنسانية والسياسية في تاريخ مصر الحديث، وذلك عقب تنازل الملك عن العرش ومغادرته البلاد بعد نجاح حركة الضباط الأحرار.
رحيل الملك
يروي اللواء محمد نجيب، في مذكراته، تفاصيل تلك اللحظات التي سبقت رحيل الملك، موضحًا أنه كان ينوي توديعه في قصر رأس التين، إلا أن ازدحام الجماهير حوله، إلى جانب خطأ سائقه في الطريق، أدى إلى تأخر وصوله. وعندما وصل إلى الميناء، كان الملك قد صعد إلى اليخت قبل دقائق، بالتزامن مع عزف السلام الملكي وإطلاق المدافع، وسط مشاهد مؤثرة غلب عليها بكاء الخدم وأفراد الحاشية.
ورغم تحذيرات زملائه من الصعود إلى اليخت خشية تعرضه لإطلاق النار من بعض الموالين للملك، أصر محمد نجيب على تنفيذ وعده بتوديع فاروق، مؤكدًا ثقته بقضاء الله، ثم استقل لنشًا حربيًا حتى وصل إلى "المحروسة".
ويصف نجيب لحظة اللقاء بأنها اتسمت بصمت ثقيل، فرضته طبيعة الموقف؛ إذ كان يودع ملكًا كان يحكم البلاد حتى أيام قليلة مضت، وكان يمتلك السلطة الكاملة. ويشير إلى أنه شعر بقسوة الهزيمة التي تعرض لها فاروق، والتي انتهت بفقدان العرش والنفي خارج الوطن.
استقالة محمد نجيب
وخلال الحديث، ذكّر نجيب الملك بموقفه عام 1942 عندما قدم استقالته من الحرس الملكي احتجاجًا على حادث قصر عابدين، بعد أن أجبرت القوات البريطانية الملك على تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل الحكومة. وأكد أنه كان آنذاك مخلصًا للعرش، إلا أن الظروف والأوضاع تغيرت لاحقًا.
وعندما قال نجيب للملك: "أنت تعرف يا أفندم أنك السبب فيما فعلناه"، جاء رد فاروق مفاجئًا بقوله: "أنتم سبقتموني بما فعلتموه، فيما كنت أريد أن أفعله." ويذكر نجيب أن هذه العبارة ظلت تشغل تفكيره سنوات طويلة لما تحمله من دلالات.
وقبل انتهاء اللقاء، أوصى الملك فاروق محمد نجيب بالاهتمام بالجيش، قائلاً: "أرجو أن تعتني بالجيش، فهو جيش آبائي وأجدادي." فأجابه نجيب بأن الجيش أصبح في أيدٍ أمينة.
كما شهد اللقاء موقفًا بروتوكوليًا عندما لاحظ الملك أن جمال سالم يقف ممسكًا بعصاه، فطلب منه إلقاءها احترامًا لوجود الملك، وهو ما تم بعد تدخل محمد نجيب.
الملك فاروق لمحمد نجيب
وفي ختام اللقاء، قال الملك فاروق لمحمد نجيب: "إن مهمتك صعبة جدًا، فليس من السهل حكم مصر." ثم غادر اليخت دون أن يلتفت إلى الخلف، منهياً بذلك آخر لقاء جمعه بأول رئيس لجمهورية مصر لاحقًا.
ويختتم محمد نجيب روايته بالإشارة إلى أن العبارة الأخيرة للملك بقيت عالقة في ذهنه، معتبراً أنها كانت تعكس إدراكًا عميقًا بحجم التحديات التي تواجه من يتولى حكم مصر.
وتعتبر هذه الرواية وجهة نظر اللواء محمد نجيب كما وردت في مذكراته، وهي إحدى الشهادات التاريخية المتعلقة بتلك الأحداث، إلى جانب روايات وشهادات أخرى تناولت تفاصيل الأيام الأخيرة من حكم الملك فاروق.










