كيف تحولت قضية "الصحفية والوزيرة"من حكم قضائي إلى أزمة إعلامية ونقابية !
أعادت استقالة وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي، على خلفية الحكم القضائي النهائي الصادر بحقها في قضية انتهاك حقوق الملكية الفكرية لصالح الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، فتح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الأوساط الثقافية والإعلامية خلال الأيام الماضية، ولم تتوقف تداعيات القضية عند حدود الاستقالة، بل امتدت إلى سجالات إعلامية، وشكاوى أمام نقابة الصحفيين، وبلاغات قضائية، وانتهت باعتذار رسمي من الإعلامي محمد الباز.
استقالة أشعلت الجدل
بدأت الأزمة بعد إعلان الدكتورة جيهان زكي تقديم استقالتها من منصب وزيرة الثقافة، مؤكدة أنها اتخذت القرار احترامًا للحكم القضائي الصادر بحقها، وحتى لا تتحول القضية إلى عبء على الحكومة أو تؤثر على أداء الوزارة.
وأثار القرار حالة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء بين مؤيد يرى أن الاستقالة تعكس احترامًا لأحكام القضاء، وآخرين اعتبروا أن القضية لا ينبغي أن تختزل مسيرة أكاديمية وثقافية امتدت لسنوات.
محمد الباز: ثلاث ثوابت لا خلاف عليها
وفي سياق هذا الجدل، استضاف الإعلامي مصطفى بكري، خلال برنامج "حقائق وأسرار"، الإعلامي والكاتب محمد الباز، للحديث عن تداعيات الأزمة.
واستهل مصطفى بكري الحوار بالإشادة بالمسيرة الأكاديمية للدكتورة جيهان زكي، معتبرًا أن ما يحدث على مواقع التواصل تجاوز مناقشة القضية إلى ما وصفه بمحاولات للنيل منها ومن أسرتها، قبل أن يطلب رأي محمد الباز في تطورات المشهد.
ورد الباز مؤكدًا أن هناك ثلاث ثوابت لا يجوز الاختلاف عليها، أولها احترام أحكام القضاء وعدم التعليق عليها، وثانيها أن جيهان زكي لم تستغل منصبها أو نفوذها طوال فترة نظر القضية، وثالثها أن الحكومة احترمت الحكم القضائي بقبول استقالتها.
وأضاف أن كثيرًا من التعليقات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعكس - بحسب وصفه - جهلًا بالجوانب الفنية والأدبية المتعلقة بالقضية، معتبرًا أن اختزال التاريخ العلمي والثقافي للدكتورة جيهان زكي في هذه الواقعة يمثل ظلمًا لها.
دعوة لتشكيل لجنة علمية
وخلال المداخلة، طرح محمد الباز رؤية مختلفة لطبيعة القضية، داعيًا إلى تشكيل لجنة علمية محايدة تضم متخصصين لدراسة الكتابين محل النزاع.
وأوضح أنه اطلع بنفسه على الكتابين، ويرى أن القضية ترتبط بجوانب فنية في التأليف والتحرير، مشيرًا إلى احتمال وجود محرر للكتاب، وهو ما قد يكون وراء وقوع الاقتباسات التي كانت محل النزاع القضائي.
كما أشاد بطريقة تعامل جيهان زكي مع الأزمة، مؤكدًا أنها لم تحاول استخدام نفوذها أو علاقاتها للتأثير في سير القضية، مطالبًا بعدم اختزال مسيرتها في هذه الواقعة ومنحها الفرصة لاستكمال عطائها العلمي والثقافي.
من جانبه، أكد مصطفى بكري أن موقفه ينطلق من احترام القضاء المصري، منتقدًا ما وصفه بازدواجية بعض الأطراف في التعامل مع الأحكام القضائية، ومشيرًا إلى أن القضية كشفت عن أزمات داخل الوسطين الثقافي والإعلامي، قبل أن يؤكد دعم حق جيهان زكي في عرض وجهة نظرها.
سهير عبد الحميد تتقدم بشكوى ضد محمد الباز
في المقابل، أعلنت الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد إحالة الكاتب الصحفي محمد الباز إلى التحقيق داخل نقابة الصحفيين، على خلفية الشكوى التي سبق أن تقدمت بها ضده.
وقالت، عبر حسابها على موقع "فيسبوك"، إن مجلس نقابة الصحفيين قرر إحالة الباز إلى التحقيق بسبب ما وصفته بالإساءات التي وردت في مقالاته، والتي تضمنت - بحسب قولها - اتهامات لها بالكذب والجهل والسرقة.
وأكدت أنها لا تنوي قبول أي اعتذار من محمد الباز، مشددة على تمسكها بالإجراءات القانونية.
اتهامات بحملة تشويه
وفي تصريحات صحفية، أعربت سهير عبد الحميد عن ترحيبها بقرار مجلس نقابة الصحفيين، مؤكدة أن الحكم القضائي النهائي الصادر لصالحها غيّر مسار القضية بالكامل.
وأوضحت أنها أرفقت بشكواها مستندات وصورًا ضوئية تثبت - بحسب قولها - تعرضها لحملة إساءة وتشهير عبر صفحات جريدة "الدستور"، معتبرة أن ما تعرضت له يمثل سبًا وقذفًا ومحاولة للتأثير على الرأي العام.
واتهمت الإعلامي محمد الباز بقيادة حملة تشويه ضدها عقب صدور الحكم النهائي لصالحها، معتبرة أن ذلك يمثل تجاهلًا لأحكام القضاء الواجبة النفاذ.
كما أكدت أن كتابها "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية.. سيدة القصر"، الصادر عام 2021، استند إلى أبحاث ومقالات سبق أن نشرتها منذ عام 2005 في مجلة "نصف الدنيا" وجريدة "الأهرام"، معتبرة أن ذلك يثبت أصالة عملها ويفند الاتهامات التي وجهها إليها محمد الباز.
وكشفت أيضًا أنها تلقت اتصالًا من الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، خلال مرحلة التسوية، لإبلاغها بطلب محمد الباز تفعيل حق الرد، إلا أنها رفضت ذلك، مؤكدة أن الاتهامات التي وجهت إليها لا تستند إلى أي دليل.
نقابة الصحفيين تحيل الشكوى للتحقيق
وأحال مجلس نقابة الصحفيين الشكوى المقدمة من سهير عبد الحميد ضد محمد الباز إلى لجنة التحقيق بالنقابة.
وقال عضو مجلس النقابة الكاتب الصحفي جمال عبد الرحيم إن المجلس قرر إحالة الشكوى إلى اللجنة المختصة لبحثها والتحقيق في جميع الوقائع الواردة بها، تمهيدًا لاتخاذ ما يلزم وفقًا للوائح النقابة.
نادي القضاة يتدخل
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ أعلن نادي قضاة مصر، في بيان رسمي، تقدمه ببلاغ إلى النائب العام ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد الممثل القانوني لقناة "صدى البلد"، والإعلامي مصطفى بكري، والإعلامي محمد الباز.
وأوضح النادي أن البلاغ جاء على خلفية ما تضمنه برنامج "حقائق وأسرار"، معتبرًا أن ما ورد خلال الحلقة تجاوز الحدود الدستورية والقانونية للتعليق على الأحكام القضائية، وانطوى - بحسب البيان - على تدخل غير جائز في شؤون العدالة وتعريض القضاء المصري للتشكيك.
وأكد النادي أن حرية الرأي والتعبير حق دستوري، لكنها ليست مطلقة، ولا يجوز استخدامها بما يمس استقلال السلطة القضائية أو هيبة القضاء، داعيًا وسائل الإعلام إلى الالتزام بالمسؤولية المهنية عند تناول القضايا المنظورة أو الأحكام القضائية.
مصطفى بكري يرد
ورد النائب والإعلامي مصطفى بكري ببيان أعرب فيه عن دهشته من بيان نادي القضاة، مؤكدًا أنه لا يقبل المزايدة على موقفه الداعم للقضاء المصري.
وأشار إلى مواقفه السابقة في الدفاع عن استقلال القضاء، ومنها تصديه لهجمات جماعة الإخوان على القضاة، ومشاركته في مؤتمرات الدفاع عن استقلال القضاء، فضلًا عن تأليفه كتابًا بعنوان "الإخوان والقضاء".
وأوضح أن مداخلته بشأن استقالة جيهان زكي تضمنت التأكيد على احترام حكم القضاء، والإشادة بقرارها تقديم الاستقالة، إلى جانب انتقاده لحملات الإساءة التي تعرضت لها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ونفى بكري أن يكون قد شكك في حكم محكمة النقض أو علق عليه، مؤكدًا استعداده للمثول أمام أي جهة تحقيق إذا استدعي لذلك، احترامًا للقضاء المصري.
اعتذار محمد الباز
وفي ختام تطورات الأزمة، أصدر الإعلامي محمد الباز بيانًا قدم خلاله اعتذارًا رسميًا إلى نادي قضاة مصر.
وأكد الباز أنه لم يقصد من تصريحاته بأي حال الإساءة إلى القضاء المصري أو التشكيك في أحكامه أو الانتقاص من حجيتها، مشددًا على احترامه الكامل للقضاء المصري وأحكامه.
وكان الباز قد أعلن اعتذاره عن أي عبارات وردت خلال مداخلته الهاتفية مع الإعلامي مصطفى بكري في برنامج "حقائق وأسرار"، مؤكدًا تقديره الكامل للقضاء المصري واحترامه لأحكامه، ومشددًا على أن احترام السلطة القضائية مبدأ لا يقبل المساومة.
في المقابل، رفضت الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد هذا الاعتذار، ووجهت رسالة إلى نادي قضاة مصر أكدت فيها تمسكها باستمرار الإجراءات القانونية، معتبرة أن الاعتذار لا يغني عن مساءلة من شكك في أحكام القضاء أو تناول القضية على نحو يمس هيبة السلطة القضائية.



