انحاز للشعب حفاظًا على الوطن.. دور الأزهر في ثورة 30 يونيو
خاضت مصر بجميع فئات شعبها تجربة وطنية لا مثيل لها، حيث قدم المصريون نموذجًا فريدًا للإرادة الشعبية في التغيير خلال ثورة الثلاثين من يونيو، التي تحل ذكراها الثالثة عشر غدًا الثلاثاء.
دور الأزهر في ثورة 30 يونيو
ولم يكن الأزهر الشريف بعيدًا عن تطلعات الشعب وآماله، بل انحاز إلى الإرادة الشعبية، ولعب الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين، دورًا بارزًا في دعم الثورة، إلى جانب جهود المؤسسة الأزهرية وهيئاتها الشرعية في مساندة ثورة 30 يونيو.

مشاركة الإمام الأكبر في بيان 3 يوليو
كان لظهور الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بجوار رموز وقيادات الدولة خلال خطاب الثالث من يوليو 2013، بحضور الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك، والبابا تواضروس الثاني، وممثلين عن حزب النور وحركة تمرد، أثناء إعلان بيان عزل الرئيس محمد مرسي، أثر كبير في إغلاق الطريق أمام مزاعم جماعة الإخوان التي حاولت تصوير ما جرى داخليًا وخارجيًا على أنه حرب ضد الإسلام.
وقبل إلقاء خطاب الثالث من يوليو بيوم واحد، دعا بيت العائلة المصرية جميع المصريين إلى التكاتف والحفاظ على وحدة النسيج الوطني، وإعلاء قيم الإسلام والمسيحية وقيمة المواطنة، مع التأكيد على ضرورة عدم الزج بالدين في الصراع السياسي، والالتزام بالسلمية في جميع المواقف، وتقديم مصلحة الوطن على أي اعتبارات أخرى، حفاظًا على الدماء المصرية وحتى تصل سفينة الوطن إلى بر الأمان.
بيان الأزهر في 2 يوليو 2013
في الثاني من يوليو 2013، أصدر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بيانًا طالب فيه جميع الأطراف بتحمل مسؤولياتهم أمام الله والوطن والتاريخ، واتخاذ خطوات جادة وعاجلة للخروج من الأزمة، تقديرًا لصوت الشعب الذي فاجأ العالم بتعبيره الحضاري عن مطالبه، وحرصًا على حقن الدماء، وصيانة الأعراض والأموال، وحماية الأمن القومي من المخاطر الداخلية والخارجية.
كما حذر شيخ الأزهر من فتنة قد تجر البلاد إلى هاوية خطيرة وتشوه وجه مصر، مؤكدًا أن الدين والوطنية بريئان من أي دم يُسفك، وأن كل من يشارك في إراقة الدماء يتحمل مسؤوليته.
معارك الأزهر مع جماعة الإخوان
لم يكن موقف الأزهر المؤيد للإرادة الشعبية أول مواجهة مع جماعة الإخوان، فقد خاض الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب صراعًا طويلًا مع الجماعة منذ توليه رئاسة جامعة الأزهر، واستمر بعد ثورة يناير وسيطرة الإخوان على البرلمان والسلطة.
وخلال فترة رئاسته للجامعة، شهدت جامعة الأزهر محاولة من طلاب الجماعة لتنظيم عرض عسكري داخل الحرم الجامعي، كما استمر عداء الجماعة له بعد توليه مشيخة الأزهر، حيث نظمت تظاهرات ضده وصلت إلى محاولة اقتحام المشيخة، بسبب رفضه محاولاتهم المستمرة للسيطرة على الأزهر ومؤسساته.
وسعت الجماعة إلى تقليص دور الأزهر وإحلال دعاة وشيوخ غير أزهريين ينتمون إليها ليكونوا أصحاب التأثير الديني، إلا أن الأزهر ظل العقبة الأكبر أمام هذه المخططات، ورفض توظيف الدين لخدمة أهداف سياسية، محافظًا على استقلاله رغم الضغوط.
هجمات متواصلة بعد ثورة 30 يونيو
تعرض الإمام الأكبر لهجمات حادة من جماعة الإخوان قبل ثورة 30 يونيو وبعدها، عقب إعلانه مساندة الفريق عبد الفتاح السيسي، إلا أنه تمسك بموقفه، وانضم إلى صفوف الجماهير التي خرجت إلى الميادين مطالبة برحيل الرئيس محمد مرسي.
وفي الوقت نفسه، واصل بيت العائلة المصرية عقد اجتماعاته من أجل الحفاظ على وحدة المجتمع، وأصدر بيانًا ناشد فيه جميع المصريين الالتزام بالسلمية، وإعلاء مصلحة الوطن، ونبذ الانقسام، والحفاظ على الدماء، مع التأكيد على قيم المواطنة والتعايش والوسطية.
ولم يتوقف دور الأزهر عند تأييد ثورة 30 يونيو، التي وصفتها بعض وسائل الإعلام الأجنبية بأنها أكبر ثورة بشرية في التاريخ، بل دعا الإمام الأكبر إلى إنهاء حالة الانقسام التي تهدد البلاد، مؤكدًا أن وحدة المصريين فوق كل اعتبار.
كما طالب الجميع بتحمل مسؤولياتهم والعمل على الخروج من الأزمة، حفاظًا على الأمن القومي وصونًا للدماء والممتلكات.
وفي هذا السياق، دعا الفريق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، الإمام الأكبر إلى الاجتماع في الثالث من يوليو مع عدد من الشخصيات الوطنية، بحضور البابا تواضروس وممثلين عن حزب النور وحركة تمرد، لإعلان بيان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهو البيان الذي حظي بمباركة الأزهر الشريف.
الأسس التي استند إليها الأزهر في تأييد ثورة 30 يونيو
بعد إعلان بيان الثالث من يوليو، أصدر الإمام الأكبر بيانًا أوضح فيه الأسس الأربعة التي استند إليها الأزهر في تأييد ثورة 30 يونيو.
تمثل الأساس الأول في منع الصدام بين المصريين نتيجة تعنت جماعة الإخوان وتصاعد الصراع السياسي، بينما تمثل الأساس الثاني في الوقوف ضد أي محاولة لإشعال الفتنة الطائفية ومنع إراقة الدماء.
أما الأساس الثالث، فاستند إلى القاعدة الفقهية التي تقضي بأن ارتكاب أخف الضررين واجب شرعي، في حين تمثل الأساس الرابع في دعم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يحتكم فيها الشعب إلى صندوق انتخاب نزيه تشرف عليه مؤسسات الدولة.
وأكد الإمام الأكبر أن مصر أغلى من أن تسفك فيها دماء أبنائها تحت أي شعار، وأن موقف الأزهر كان دائمًا الانحياز للشعب المصري والحفاظ على وحدة الوطن وحرمة الدم المصري.
الوصايا العشر
أعقب الإمام الأكبر هذا البيان بإصدار وثيقة عرفت باسم "الوصايا العشر" أو "إبراء الذمة"، تضمنت عشر توصيات رئيسية، شملت:
- ضرورة الإسراع بإنهاء المرحلة الانتقالية، وتعديل الدستور، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة، والعودة إلى الدولة الديمقراطية الدستورية.
- المطالبة بالإفراج عن جميع معتقلي الرأي والناشطين السياسيين غير المتورطين في قضايا جنائية، وتعويض أسر الشهداء من جميع الأطراف.
- التأكيد على أن المصالحة الوطنية يجب أن تقوم على عدم الإقصاء، مع التزام وسائل الإعلام بميثاق شرف، وإدانة غلق بعض القنوات الدينية.
- المطالبة بالتحقيق العاجل في مقتل المتظاهرين أمام تمثال نهضة مصر، ومحاسبة المسؤولين عن جميع الضحايا.
- إدانة الاعتداء على الملتحين والمنقبات، وكذلك الاعتداء على الجيش والشرطة، مع التفرقة بين التدين والإرهاب.
- رفض الإجراءات الاستثنائية، والتأكيد على أن الشعب المصري يستحق الحرية والديمقراطية.
- التأكيد على أن السيادة للشعب في إطار الدستور والقانون، مع ضرورة ابتعاد القوات المسلحة عن العمل السياسي.
- ضمان حق جميع الأحزاب، بما فيها حزب الحرية والعدالة، في المشاركة السياسية، ووقف التحريض والكراهية، والإسراع بتشكيل حكومة تكنوقراط ولجان المصالحة.
- تشكيل لجنة مراجعة الدستور بصورة تعبر عن جميع فئات المجتمع، مع الحفاظ على مواد الهوية والشريعة الإسلامية وحقوق غير المسلمين.
- وقف جميع أعمال العنف والتكفير والتخوين، والالتزام بالحلول السياسية حفاظًا على الدم المصري.
30 يونيو إرادة شعبية
أكد الإمام الأكبر أن ما حدث في 30 يونيو لم يكن انقلابًا، وإنما تعبيرًا عن إرادة شعبية، مستندًا إلى القاعدة الفقهية التي تنص على أن ارتكاب أخف الضررين واجب شرعي، موضحًا أن مواقف الأزهر تنطلق دائمًا من إرادة الشعب المصري، كما كان الحال في مختلف الثورات عبر التاريخ.
في ظل محاولات الجماعات المتشددة لاختطاف الوطن وإرهاب المواطنين، وقف الأزهر إلى جانب الدولة المصرية، وتضامن مع الكنيسة المصرية في مواجهة الاعتداءات على الكنائس والمواطنين المسيحيين، وأسهم تعاون المؤسستين الدينيتين في إفشال محاولات إثارة الفتنة الطائفية.
كما رسخ الأزهر مبدأ سيادة القانون، ورفض منح مواجهة الإرهاب أي صبغة دينية، مؤكدًا أنها معركة دولة ضد خارجين على القانون.
دور بيت العائلة المصرية
عزز الأزهر دور بيت العائلة المصرية، الذي يضم رموز الإسلام والمسيحية، ونجح في احتواء العديد من النزاعات الطائفية وإجراء المصالحات بين الأطراف المتنازعة في مختلف المحافظات والقرى، بما أسهم في الحفاظ على السلم المجتمعي.
ولم يغفل الأزهر المناطق الحدودية والنائية، حيث كثف قوافله الدعوية والطبية والغذائية إلى الشيخ زويد ورفح والعريش، وكذلك إلى حلايب وشلاتين، والوادي الجديد، وسيدي براني والسلوم، بهدف تعزيز الانتماء الوطني ودعم المواطنين في تلك المناطق.
كما شارك بممثلين عنه في لجنة إعداد الدستور الجديد، وأسهموا بدور بارز في صياغته، قبل أن يحظى بموافقة الشعب في الاستفتاء العام.
دعم القوات المسلحة وتجديد الخطاب الديني
ساند الأزهر القوات المسلحة والشرطة المصرية في حربهما ضد الإرهاب، كما قاد جهود تجديد الخطاب الديني، وواصل تطوير المناهج التعليمية بما يتوافق مع متطلبات العصر.
كما نظم عددًا من المؤتمرات الدولية لمواجهة الإرهاب، وترسيخ قيم التعايش والمواطنة والسلام العالمي، بمشاركة شخصيات دينية وسياسية من مختلف أنحاء العالم.
والجدير بالذكر أن الجولات الخارجية للإمام الأكبر أحمد الطيب، إلى جانب قوافل السلام، واستجابة بابا الفاتيكان لدعوته لزيارة مصر، أسهمت في تعزيز صورة الدولة المصرية بالخارج، وإبراز حالة الاستقرار التي شهدتها البلاد.



