رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من السودان إلى غزة.. مصر وسياسة إطفاء الحرائق بعد 30 يونيو| تقرير

30 يونيو
30 يونيو

منذ أحداث 30 يونيو 2013، اتجهت السياسة الخارجية المصرية إلى تبني نهج يقوم على التعامل المباشر مع الأزمات الإقليمية، والعمل على الحد من تداعياتها قبل أن تمتد إلى محيطها أو تؤثر في الأمن القومي المصري، وخلال السنوات الماضية، تعاملت القاهرة مع ملفات معقدة ومتزامنة شملت ليبيا، والسودان، واليمن، وسوريا، ثم الحرب في قطاع غزة؛ لتصبح أحد أبرز الأطراف الإقليمية المنخرطة في جهود التهدئة والوساطة وتقديم الدعم الإنساني.

نهج يقوم على منع تفاقم الأزمات.. وحماية المواطنين أولوية في كل أزمة

إذ اعتمدت مصر في تعاملها مع الملفات الإقليمية على رؤية تعتبر، أن استقرار دول الجوار جزء لا يتجزأ من أمنها القومي؛ لذلك ركزت تحركاتها على احتواء الصراعات ومنع توسعها، مع دعم الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول الوطنية، وفي هذا الإطار، واصلت القاهرة التأكيد على موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، ودعمها لإقامة الدولة الفلسطينية وفق حل الدولتين، إلى جانب تمسكها بوحدة السودان واستقرار ليبيا، ورفض أي محاولات لتقسيم الدول العربية أو المساس بسيادتها.

ومع اندلاع النزاعات في المنطقة، وضعت الدولة المصرية أمن مواطنيها في الخارج على رأس أولوياتها، وسارعت إلى تنفيذ خطط الإجلاء فور تدهور الأوضاع الأمنية، وخلال الأزمة السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، نفذت مصر واحدة من أكبر عمليات إجلاء المواطنين المصريين، حيث أعادت آلاف الأشخاص عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية، من خلال تنسيق متواصل بين القوات المسلحة ووزارة الخارجية والسفارة المصرية في الخرطوم.

مساعدات مصر إلى غزة 
مساعدات مصر إلى غزة 

وامتدت الجهود المصرية إلى ما هو أبعد من إجلاء مواطنيها؛ إذ ساعدت في نقل وإجلاء رعايا عدد من الدول العربية والأجنبية، وسهلت عبورهم عبر الأراضي المصرية في إطار جهود إنسانية واسعة، كما اتبعت النهج نفسه مع تصاعد التوترات في لبنان وإيران ومناطق أخرى، حيث كثفت وزارة الخارجية المصرية اتصالاتها مع البعثات الدبلوماسية والجاليات المصرية، وقدمت الإرشادات اللازمة لتأمين المواطنين وتنظيم عودتهم عند الضرورة.

السودان.. دعم إنساني وسياسي متواصل

فرضت الأزمة السودانية تحديات كبيرة على مصر، بحكم الحدود المشتركة والعلاقات التاريخية بين البلدين، ما دفع الدولة المصرية إلى التحرك على أكثر من مستوى، فمنذ اندلاع الحرب، فتحت مصر حدودها أمام مئات الآلاف من السودانيين الفارين من أعمال القتال، وقدمت لهم خدمات الإقامة والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب تسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى الداخل السوداني بالتعاون مع المنظمات الدولية.

وأما على الصعيد السياسي، واصلت مصر دعمها لمؤسسات الدولة السودانية، مؤكدة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ورفض أي تدخلات من شأنها زيادة تعقيد الأزمة.

غزة دور محوري في الوساطة.. ومعبر رفح شريان المساعدات للقطاع

مع اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، برزت مصر باعتبارها الطرف الأكثر حضورًا في جهود الوساطة بين مختلف الأطراف؛ إذ أجرت مصر اتصالات مكثفة مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحركة (حماس)، إلى جانب الولايات المتحدة وقطر وعدد من الشركاء الدوليين، بهدف التوصل إلى تفاهمات لوقف إطلاق النار، وإنجاز عمليات تبادل الأسرى، وضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.

كما استضافت مصر العديد من جولات المفاوضات الأمنية والسياسية، وأسهمت في التوصل إلى أكثر من هدنة مؤقتة، مما عزز مكانتها كوسيط رئيسي في إدارة الأزمة، فيما أدى معبر رفح دورًا محوريًا في الاستجابة الإنسانية للحرب على غزة؛ إذ أصبح المنفذ الأساسي لإدخال شحنات الإغاثة إلى القطاع.

مساعدات مصر إلى السودان 
مساعدات مصر إلى السودان 

واستقبلت مصر مئات الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والأدوية، والوقود والمستلزمات الطبية، كما فتحت مستشفياتها لاستقبال المصابين الفلسطينيين، خاصة الأطفال والحالات الحرجة، مع توفير الرعاية الطبية الكاملة لهم والسماح بدخول مرافقيهم، وفي الوقت نفسه، تحولت مدينة العريش إلى مركز لوجستي لتجميع المساعدات القادمة من مختلف دول العالم، والمنظمات الإنسانية، قبل نقلها إلى داخل قطاع غزة.

الوساطة المصرية في ملفات المنطقة

لم تقتصر التحركات المصرية على القضية الفلسطينية، بل شملت عددًا من الملفات الإقليمية الأخرى، ففي ليبيا، دعمت مصر المسار السياسي والحوار بين مختلف الأطراف، وسعت إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة الأراضي الليبية.

وأما في السودان، استضافت اجتماعات ومشاورات إقليمية ودولية بهدف دفع جهود التسوية السياسية وإنهاء الحرب، كما شاركت مصر في الجهود الرامية إلى حماية أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، والعمل على خفض التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراعات في المنطقة.

الدبلوماسية الإنسانية ركيزة أساسية.. وحضور إقليمي يتجاوز إدارة الأزمات

وخلال السنوات الأخيرة، جمعت مصر بين التحرك السياسي والعمل الإنساني، فيما بات يعرف بالدبلوماسية الإنسانية، حيث شمل ذلك إرسال قوافل المساعدات الطبية والغذائية إلى الدول المتضررة من الحروب والكوارث، سواء عبر الهلال الأحمر المصري أو القوات المسلحة أو بالتنسيق مع المؤسسات الدولية، إلى جانب استضافة مؤتمرات واجتماعات إقليمية ودولية خصصت لحشد الدعم الإنساني للمتضررين.

على امتداد السنوات التي تلت 30 يونيو، عززت مصر حضورها الإقليمي من خلال الجمع بين الوساطة السياسية، وإجلاء الرعايا، واستقبال النازحين، وتقديم المساعدات الإنسانية، والمشاركة في جهود التسوية السلمية للنزاعات، ومن السودان إلى غزة، سعت مصر إلى تكريس دورها كطرف إقليمي يعمل على احتواء الأزمات والحد من تداعياتها، عبر مزيج من التحرك الدبلوماسي والعمل الإنساني، في ظل بيئة إقليمية لا تزال تواجه تحديات أمنية وسياسية متزايدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء