ما هي القيم المشتركة بين الهجرة النبوية وثورة 30 يونيو؟ وزارة الأوقاف تكشف
تزامنًا مع الاحتفال بـذكرى ثورة 30 يونيو، قالت وزارة الأوقاف، إن ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو تُعد ذكرى طيبة وغالية على قلب كل مصري أصيل يعشق وطنه ويعمل لمجده ورفعته، مشيرة إلى أنها الثورة التي أعادت لمصر مكانتها وريادتها التاريخية والحضارية والإقليمية.
وأضافت أن من يُمن الطالع أن تأتي هذه الذكرى هذا العام مع احتفال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالعام الهجري الجديد 1448هـ، ليجتمع للمصريين عيدان، عيد ديني وهو عيد ذكرى الهجرة النبوية المشرفة، وعيد وطني هو عيد ذكرى الثلاثين من يونيو، ليزداد الفرح وتعم البهجة على مصرنا الحبيبة.
وأكدت الوزارة أن هذا التزامن يدعو إلى بيان العلاقة والقيم المشتركة بين الهجرة النبوية المشرفة وثورة الثلاثين من يونيو المجيدة، مشيرة إلى أن ذلك يتطلب تحليلًا دقيقًا وفهمًا عميقًا لطبيعة كل حدث.

أوجه التشابه العامة بين الهجرة النبوية وثورة 30 يونيو
أوضحت وزارة الأوقاف أن من أهم أوجه التشابه بين الحدثين ما يلي:
أ- السعي نحو التغيير لواقع أفضل ومستقبل مشرق:
كانت الهجرة النبوية تخلُّصًا من الاضطهاد والبحث عن الحرية الدينية والقدرة على أداء الشعائر، وسعيًا لإيجاد بيئة آمنة لنشر الدعوة الإسلامية، وبناء مجتمع إسلامي متكامل، وتمهيدًا لانتشار الإسلام في العالم، ونشر نوره على الدنيا كلها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَیَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّاۤ أَن یُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِینِ ٱلۡحَقِّ لِیُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّینِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 32-33].
أما ثورة الثلاثين من يونيو، فهي ثورة شعبية حدثت في مصر عام 2013م، أدت إلى عزل الجماعة المتطرفة عن حكم الدولة والتدخل في سياساتها الخارجية أو تنظيماتها الداخلية، نتيجة لمجموعة من الأسباب، أبرزها:
- تدهور الأوضاع الاقتصادية، حيث فشلت حكومة الجماعة الإرهابية في معالجة المشاكل الاقتصادية، ونقص الطاقة، وتدهور البنية التحتية.
- تدهور الأوضاع الأمنية، إذ تراجع مستوى الأمن وزادت أعمال العنف، وكثرت السرقات، والتعدي على الآمنين في الطرقات في وضح النهار.
- الخلافات السياسية، فقد اتسعت الفجوة بين الحكومة والقوى السياسية المعارضة، وسوء إدارة الحوار السياسي، مع تزايد المخاوف من سيطرة الجماعة المتطرفة على مفاصل الدولة والتنازل عن أجزاء منها لغير المصريين.
كما أن ثورة 30 يونيو كانت تحركًا شعبيًا واسعًا ضد نظام حكم رأى فيه الشعب المصري أنه لا يلبي طموحاته، ويقود البلاد نحو مسار غير مرغوب فيه، فكانت سعيًا جادًا وهادفًا لتغيير هذا الواقع.
ب- التضحية من أجل المبادئ والمصلحة العامة:
تضمنت الهجرة النبوية تضحيات كبيرة من قبل المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم في مكة من أجل عقيدتهم، ونشر رسالتهم، فاستحقوا أن يوصفوا بالصدق في القول والعمل، والإيمان والسلوك، قال تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحشر: 8].
كذلك ثورة الثلاثين من يونيو شهدت تضحيات من المصريين الذين تجمعوا في الميادين من كل مكان، مطالبين بالتغيير، وتحملوا المخاطر والمشاق في سبيل تحقيق أهدافهم النبيلة، ومصالحهم العليا، فمن المعلوم أن الجماعة الإرهابية لا تدخر جهدًا في التنكيل وإيقاع الأذى بمن يخالفهم في الرأي والسلوك، ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، مهما كانت النتائج.
ج- التأسيس لمرحلة جديدة:
كانت الهجرة النبوية بداية تأسيس لدولة قوية ومجتمع مترابط في المدينة المنورة، ومنها انطلق الإسلام ليعم العالم بنوره وحضارته، لقد تم الإسلام في المدينة بعد الهجرة بعناصره جميعًا، وبرزت الأحكام الشرعية بجانب أحكام العقيدة، وتكامل حسنهما معًا بالأخلاق الإسلامية الكريمة.
كذلك كانت ثورة الثلاثين من يونيو نقطة تحول أعادت مصر إلى مسار الاستقرار والأمن والبناء والتعمير، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ البلاد نحو آفاق الجمهورية الجديدة، والرؤية المصرية الواسعة والشاملة والمتكاملة 2030م، بقيادة ابنها البار ورئيسها الهمام فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
د- الإرادة الشعبية:
الهجرة النبوية جاءت بعد مبايعة الأنصار للنبي – صلى الله عليه وسلم – في بيعتي العقبة، وهو ما يوضح دور الإرادة المجتمعية في استقبال الدعوة الإسلامية وتبنّيها، والدفاع عنها بالغالي والنفيس، فقد كانت مبايعة الأنصار الأساس الذي هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بناءً عليه، ولذا فقد كانت شاملةً للمبادئ التي تمّت مشروعيتها بعد الهجرة إلى المدينة، وفي مقدمتها الجهاد والدفاع عن الدعوة بالقوة، فقال لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «أُبَايِعُكُم على أن تَمْنَعُونِي ممَّا تمنَعُونَ منه نِسَاءكُم وأبنَاءكُم»، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: "نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (أي السلاح كله) ورثناها كابرًا عن كابر"، فاعترض القول - والبراء يتكلم - أبو الهيثم بن التيّهان فقال: "يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنّا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟"، فتبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ» [رواه أحمد بن حنبل].
وثورة الثلاثين من يونيو كانت كذلك تعبيرًا عن إرادة شعبية عارمة، تمثّلت في الملايين الذين نزلوا إلى الميادين العامة مدافعين عن وطنهم، وحريتهم، داعين للعدل والمساواة، والحفاظ على أرض مصر من أن تُعطى لغير المصريين أو تدنسها أقدام المتطرفين والمفسدين.
القيم المشتركة بين الهجرة النبوية وثورة 30 يونيو
ونوهت وزارة الأوقاف المصرية، أن من أهم القيم التي تتجلى من الهجرة النبوية المشرفة وثورة الثلاثين من يونيو، ما يلي:
أ- قيمة حب الوطن والدفاع عنه:
إن محبة الوطن قيمة متأصلة في الفطرة الإنسانية، وتظهر جلية في المواقف العصيبة التي تمر بها الأوطان والشعوب، فرغم اختلاف الزمان والمكان والظروف بين الهجرة النبوية وثورة الثلاثين من يونيو، فإنهما يحملان دروسًا عميقة في حب الوطن والتضحية من أجله.
فالهجرة لم تكن تخليًا عن الوطن وتركه، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن هذا الحب الممزوج بالتضحية من أجل العقيدة، وهو ما ظهر واضحًا عند خروج الرسول – صلى الله عليه وسلم – من وطنه وتركه لبلده، فقال مخاطبًا إياها: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ، وَأَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار للأزرق الغساني]، فهذا القول يعبر عن عاطفة جيّاشة تجاه الوطن، ويبين أن الهجرة كانت اضطرارية وليست اختيارية.
وفي المدينة المنورة قامت الدولة الإسلامية على أسس قوية ودعائم متينة، تمثلت في بناء المسجد، وتحقيق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكتابة الوثيقة، والتي كانت بهدف الدفاع المشترك عن الوطن وحماية أبنائه من كل اعتداء خارجي أو تهديد داخلي.
وتعتبر ثورة الثلاثين من يونيو تجسيدًا لحب الوطن والدفاع عنه، وحماية مقدراته ومنجزاته، واستعادة مكانته وريادته، إذ نزل المصريون إلى الميادين دفاعًا عن هوية بلادهم ومستقبلها بعد فترة شهدت فيها البلاد تحديات كبيرة وتهديدًا لكيان الدولة المصرية.
لقد رأى المصريون أن بلادهم تتعرض لخطر حقيقي يهدد نسيجها الاجتماعي ومؤسساتها، فنزلوا إلى الميادين – تحميهم قواتهم المسلحة الباسلة – منددين بالوضع الراهن ومطالبين بالتغيير.
هذا الحراك الشعبي يؤكد أن حب الوطن ليس مجرد شعار، بل هو فطرة إنسانية جمعت بين الشعب المصري وجيشه القوي وشرطته الأبية لحماية البلاد من الانهيار والفوضى، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء والتنمية في مختلف القطاعات، سعيًا نحو تحقيق الاستقرار والرخاء والسلام والأمن.
ب- قيمة الوحدة والاصطفاف:
إن الاتحاد قوة والفرقة ضعف، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالاجتماع وعدم الاختلاف حتى لا تذهب ريحهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَٰحِدَةࣰ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡ﴾ [الأنفال: 46]، وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمۡ وَكَانُوا۟ شِيَعࣰا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَا أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفۡعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159].
كما جاء في حديث عرفجة بن شريح الأشجعي، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمْرُهُمْ جَمِيعٌ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْتَكِضُ» [رواه ابن حبان].
هذه القيمة تجسدت فعليًا في الهجرة النبوية المشرفة من خلال المؤاخاة التي عقدها الرسول – صلى الله عليه وسلم – بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار، مؤكدة أن هذه الأخوة صهرت المسلمين في بوتقة واحدة، وربطتهم بحبل الله المتين، وخلصت نفوسهم من شهوات النفس، وأزاحت من حياتهم وساوس الهوى والشيطان، وشعر كل مسلم بأخوته للآخرين بلا فرق بين حر ومولى، أو غني وفقير، أو كبير وصغير، أو مهاجري وأنصاري، وصار الجميع جنودًا لله تعالى، يضحون بكل ما يملكون في صدق وإخلاص.
فأقام المسلمين بجهدهم وجهادهم دولة الإسلام الأولى، في سموها ورفعتها وربانيتها، وأصبحوا مثالًا يفتخر المسلمون بهم في كل مكان، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدࣱ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ أَشِدَّاۤءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَاۤءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعࣰا سُجَّدࣰا يَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡءَهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةࣰ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح: 29].
كذلك شهدت ثورة الثلاثين من يونيو وحدة وطنية واسعة بين أطياف الشعب المصري المختلفة، التي اجتمعت على قلب رجل واحد لتحقيق المصلحة العامة للوطن، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو الفكرية أو الدينية، مؤكدة أنه لولا أن منّ الله تعالى على مصر الحبيبة بهذه الوحدة وذلك الاصطفاف الشعبي، لما كانت لمصر دولة لها وزن أو ثقل.
ج- قيمة الدولة:
إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها، مشيرة إلى أن كل مسألة خرجت عن العدل إلى الظلم، وعن الرحمة إلى القسوة، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهداه الذي اهتدى به الأولون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، فالشريعة قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح، فكل خير في الوجود فإنما مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه إضاعتها [إعلام الموقعين عن رب العالمين].
فلا يمكن أن تتحقق مقاصد الإسلام دون وجود دولة تقوم على أساس المواطنة المتساوية والعيش المشترك، بحيث يكون المواطنون في الدولة سواء في الحقوق والواجبات، دون تفرقة بينهم لأي سبب من الأسباب.
وهذا ما قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ دخوله المدينة، حيث أسس دولة لها نظامها وكيانها وشخصيتها التي تحفظ لكل رعاياها حقوقهم طالما أدوا ما عليهم من واجبات، مؤكدة أن الهجرة النبوية أسست لأول دولة إسلامية تقوم على مبادئ العدل والمساواة، والتعايش السلمي المشترك، والتكامل الاجتماعي، وتنظم العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة.
كذلك هدفت ثورة الثلاثين من يونيو إلى الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها، وإعادة بناء الدولة الحديثة على أسس قوية من الوحدة والعدالة والاستقرار، وتحقيق السلام العادل والشامل في الداخل والخارج، مؤكدة أنه لا فرق بين فصيل وآخر إلا باحترامه للدستور والقانون، وأدائه ما عليه من واجب تجاه وطنه.
د- قيمة احترام الدستور والقانون:
إن احترام الدستور والقانون يشكل مبدأً أساسيًا في بناء الدول والمجتمعات المستقرة، موضحة أن هذا المبدأ يظهر جليًا في كل من الهجرة النبوية وثورة الثلاثين من يونيو.
فالهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني، بل كانت تأسيسًا لدولة جديدة ذات نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، ووضع أسس لدستور يحكم العلاقات بين مكونات المجتمع الجديد في المدينة المنورة، فخرجت إلى النور صحيفة المدينة (وثيقة المدينة)، وهي أول دستور مكتوب في الإسلام وضعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم –، ويتضمن المبادئ التي قامت عليها أول دولة في الإسلام، وفيها من الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتسامح الديني والتعاون على مصلحة المجتمع ما يجدر بكل طالب أن يرجع إليه ويتفهمه ويحفظ مبادئه.
ومن المبادئ العامة التي تضمنتها هذه الوثيقة التاريخية الخالدة:
1- وحدة الأمة المسلمة من غير تفرقة بينها.
2- تساوي أبناء الأمة في الحقوق والكرامة.
3- تكاتف الأمة دون الظلم والإثم والعدوان.
4- اشتراك الأمة في تقرير العلاقات مع أعدائها، وفق التعايش السلمي.
5- تأسيس المجتمع على أحدث النظم وأهداها وأقومها.
6- مكافحة الخارجين على الدولة ونظامها العام، ووجوب الامتناع عن نصرتهم.
7- حماية من أراد العيش مع المسلمين مسالمًا متعاونًا، والامتناع عن ظلمهم والبغي عليهم.
8- لغير المسلمين دينهم وأموالهم، لا يجبرون على دين المسلمين ولا تؤخذ منهم أموالهم.
9- على غير المسلمين أن يسهموا في نفقات الدولة كما يسهم المسلمون.
10- على غير المسلمين أن يتعاونوا معهم لدرء الخطر عن كيان الدولة ضد أي عدوان.
11- وعليهم أن يشتركوا في نفقات القتال ما دامت الدولة في حالة حرب.
12- حرية الانتقال داخل الدولة وخارجها مصونة بحماية الدولة.
هذه المبادئ تحميها قوتان؛ قوة معنوية تتمثل في إيمان الشعب بالله ومراقبته له، ورعاية الله لمن عاهد ووفّى، وقوة مادية تتمثل في رئاسة الدولة التي يمثلها الرسول - صلى الله عليه وسلم.
لذا، فإن احترام القوانين المستمدة من الوحي الإلهي يعد جزءًا من الإيمان بالله ورسوله – صلى الله عليه وسلم –، وهي القوانين التي تنظم جوانب الحياة المختلفة من العبادات والمعاملات إلى الأحكام القضائية والعقوبات، وتتطلب وجود حاكم ودولة لتنفيذها وتطبيقها، فضلًا عن حمايتها والدفاع عنها.
ومن أبرز أهداف ثورة يونيو استعادة الاستقرار، واحترام سيادة القانون والدستور بعد فترة من الاضطرابات والاعتداء الصارخ على سيادة الدستور والقانون، والتلاعب في البنود الرئيسة للدستور الذي ارتضاه المصريون لأنفسهم حاكمًا وضابطًا.
وقد أكد الدستور الجديد لعام 2014م، على مبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومنحها أعلى مستوى من الحماية باعتبارها وثيقة دستورية تعلو على أي تشريعات بشرية أخرى، كما أصبحت سيادة القانون ركيزة أساسية لتحقيق دولة العدل والاستقرار، وضمان حقوق المواطنين على قدم المساواة، وتوفير تكافؤ الفرص، ومكافحة الإرهاب مع الحفاظ على حقوق الإنسان.



