أميرة صديق: تعلم اللغات صنع تفوق سليم حسن في منافسة علماء الآثار الأجانب
قالت أميرة صديق، مديرة مشروعات بمركز توثيق التراث بمكتبة الإسكندرية، أن المتحف المصري بالتحرير، الذي يعد اليوم أحد أشهر متاحف العالم، لم يكن في بدايته مجرد متحف لعرض القطع الأثرية، بل كان المؤسسة الرئيسية التي انطلقت منها منظومة العمل الأثري في مصر، وشكل النواة الأولى لمصلحة الآثار المصرية التي أسست لحماية التراث الوطني والحفاظ عليه.
وأوضحت، خلال برنامج "سيرة سليم حسن" المذاع على منصة إيجبتك، أن فكرة إنشاء هيئة تتولى مسؤولية الآثار المصرية تعود إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت القطع الأثرية المصرية تتعرض للتهريب والبيع بصورة كبيرة، وهو ما استدعى إنشاء كيان رسمي يتولى جمع الآثار والحفاظ عليها داخل مصر، لتصبح ملكًا للشعب المصري بدلاً من خروجها إلى المتاحف الأجنبية.
أوجست مارييت الفرنسي الذي دافع عن التراث المصري
وأشارت إلى أن عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت جاء إلى مصر في البداية مبعوثًا من متحف اللوفر للبحث عن البرديات القبطية، لكنه فوجئ بحجم التراث المصري الذي كان يتعرض للإهمال والتهريب، فبدأ يطالب بإنشاء مؤسسة رسمية تتولى حماية الآثار والحفاظ عليها.
وأضافت أن مارييت نجح في إقناع الخديو إسماعيل بأهمية تأسيس مصلحة للآثار المصرية، خاصة أن الخديو كان يقود في تلك الفترة مشروعًا واسعًا لتحديث الدولة المصرية وإطلاق نهضة ثقافية وعمرانية شاملة، شملت إنشاء القاهرة الخديوية والعديد من المؤسسات الحديثة، لذلك وجد في مشروع حماية الآثار جزءًا من بناء الدولة الحديثة.
من متحف بولاق إلى المتحف المصري بالتحرير
وأوضحت أميرة صديق، أن الخديوي إسماعيل خصص قطعة أرض في منطقة بولاق كانت تابعة لإحدى شركات الملاحة، ليقام عليها أول متحف للآثار المصرية، واختير موقعه على ضفاف النيل لسهولة نقل القطع الأثرية القادمة من مواقع الحفائر المختلفة عبر المراكب النيلية، كما أن متحف بولاق تعرض لاحقًا للغرق نتيجة فيضان النيل، وهو ما أدى إلى نقل المجموعات الأثرية إلى سراي الجيزة بصورة مؤقتة، قبل أن يتم إنشاء المتحف المصري الحالي في ميدان التحرير، ليصبح المركز الرئيسي للآثار المصرية، ومقرًا لمصلحة الآثار، ومنطلقًا لأعمال الحفائر والدراسات الأثرية في مختلف أنحاء البلاد.
وأكدت أن المتحف المصري لم يكن يقتصر دوره على حفظ الآثار فقط، بل كان يمثل مدرسة علمية متكاملة، إذ كانت جميع القطع المكتشفة في الحفائر تنقل إليه، كما كان مركزًا لتدريب الباحثين والعاملين في مجال الآثار، وهو ما جعله القلب النابض لعلم المصريات خلال تلك المرحلة.
وأشارت إلى أن العالم الفرنسي جاستون ماسبيرو، أحد أبرز تلاميذ أوجست مارييت، تولى مسؤولية إدارة المتحف ومصلحة الآثار، وأسهم في تطوير العمل الأثري، إلى أن شهدت المؤسسة ظهور أول أمين متحف مصري، وهو أحمد باشا كمال، الذي يُعد أحد أهم الشخصيات في تاريخ علم المصريات.
أول عالم مصريات مصري يمهد الطريق للأجيال الجديدة
وأوضحت مديرة مشروعات مركز توثيق التراث أن أحمد باشا كمال كان يتمتع بعلم غزير وشخصية وطنية مميزة، واستطاع أن يثبت كفاءة المصري في مجال ظل لفترات طويلة حكرًا على العلماء الأجانب، كما كان أول مصري يضع معاجم وقواميس متخصصة في اللغة المصرية القديمة، ليؤسس بذلك مدرسة مصرية حقيقية في علم المصريات.
وأضافت أن أحمد باشا كمال أدرك مبكرًا أهمية إعداد كوادر مصرية قادرة على دراسة الحضارة المصرية القديمة، فعمل على إنشاء مدرسة متخصصة تستقبل خريجي الكليات المختلفة لتدريس علوم المصريات، حتى يتمكن المصريون من قيادة أعمال البحث والتنقيب بأنفسهم، بدلاً من الاعتماد الكامل على البعثات الأجنبية.
سليم حسن أحد أبناء المدرسة المصرية لعلم الآثار
وأكدت أن الدكتور سليم حسن كان من بين سبعة طلاب التحقوا بهذه المدرسة، وهناك تلقى علوم المصريات على يد أحمد باشا كمال، فدرس التاريخ المصري القديم، وعلم الآثار، واللغة المصرية القديمة بمختلف مراحلها، بما في ذلك الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية والقبطية، ليحصل على تكوين علمي شامل جعله مؤهلًا لخوض مجال البحث الأثري باحترافية كبيرة.
وأشارت إلى أن دراسة هذه العلوم مجتمعة منحت سليم حسن فهمًا عميقًا للحضارة المصرية، فلم يقتصر اهتمامه على الآثار فقط، بل امتد إلى اللغة والتاريخ والحياة الاجتماعية والفكرية للمصريين القدماء، وهو ما انعكس لاحقًا في مؤلفاته وأبحاثه التي أصبحت مراجع أساسية في علم المصريات.
مفتاح المنافسة العلمية العالمية
وأوضحت أميرة صديق، أن أحمد باشا كمال لم يكتفِ بتعليم طلابه علوم المصريات، بل حرص على تشجيعهم على تعلم اللغات الأجنبية، خاصة الفرنسية والإنجليزية، لأن معظم الدراسات والأبحاث المتعلقة بالحضارة المصرية في ذلك الوقت كانت تصدر بهذه اللغات، وهذا التوجيه كان نقطة تحول في مسيرة سليم حسن، إذ أتاحت له إجادته للغات الأجنبية الاطلاع على أحدث الدراسات العالمية، ومناقشة كبار علماء الآثار، ونشر أبحاثه في الأوساط العلمية الدولية، ليصبح لاحقًا أحد أبرز علماء المصريات في القرن العشرين، ويؤكد للعالم أن المصري قادر على كتابة تاريخ حضارته بنفسه، وأن المنافسة العلمية لا ترتبط بالجنسية، وإنما بالكفاءة والعلم والإصرار.







