أميرة صديق: "سليم حسن" عالم مصري سبق عصره برؤية وطنية للتراث|فيديو
قالت أميرة صديق، مديرة مشروعات بمركز توثيق التراث بمكتبة الإسكندرية، أن الدكتور سليم حسن لم يكن مجرد عالم آثار أو باحث متخصص في الحضارة المصرية القديمة، بل كان واحدًا من أبرز أبناء مصر الذين حملوا وطنهم في قلوبهم، وامتلكوا رؤية استثنائية جعلت من التراث المصري جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية، وليس مجرد آثار أو معابد ومقابر تروي تاريخًا مضى.
وأوضحت، خلال برنامج "سيرة سليم حسن" المذاع على منصة إيجبتك، أن تميز سليم حسن جاء من نظرته المختلفة للحضارة المصرية، إذ تعامل معها باعتبارها شاهدًا حيًا على الشخصية المصرية عبر العصور، وهو ما جعله يختلف عن كثير من علماء الآثار الذين انشغلوا بدراسة الآثار من منظور علمي بحت، بينما ربط هو بين الحضارة القديمة والهوية الوطنية للمصريين.
أول عالم مصريات مصري ينافس المدارس الأجنبية
وأضافت أن سليم حسن يُعد رائدًا حقيقيًا لعلم المصريات، ذلك العلم الذي ارتبط باسم مصر، لكنه ظل في بداياته حكرًا على البعثات الأجنبية التي أبهرتها الحضارة المصرية بعد فك رموز اللغة المصرية القديمة، وهو ما فتح الباب أمام اكتشاف صفحات جديدة من تاريخ المصريين القدماء.
وأشارت إلى أن سليم حسن لم يكتف بدراسة الحضارة المصرية باعتبارها مادة علمية، وإنما آمن بأنها المكون الأساسي للشخصية المصرية، خاصة في فترة كانت البلاد تعيش فيها تحت الاحتلال، وهو ما جعل اهتمامه بالتراث جزءًا من المشروع الوطني الذي سعى إلى تمصير علم المصريات وإثبات قدرة الباحث المصري على قيادة هذا المجال بنفس الكفاءة التي امتلكها العلماء الأجانب.
نشأة ريفية صنعت شخصية استثنائية
ولفتت أميرة صديق إلى أن رحلة سليم حسن بدأت في قرية ميت ناجي بمحافظة الدقهلية، حيث وُلد في أبريل عام 1886 داخل أسرة مصرية بسيطة، وعاش مثل كثير من أبناء الريف في تلك الفترة التي كانت تفرض ظروفًا اجتماعية واقتصادية صعبة على الأسر، خاصة بعد وفاة والده وهو لا يزال صغيرًا.
وأكدت أن والدته لعبت الدور الأكبر في تشكيل مستقبله، بعدما آمنت بأن التعليم هو الطريق الوحيد لبناء شخصية قادرة على خدمة الوطن، في وقت لم يكن فيه استكمال الدراسة أمرًا شائعًا، بل كان كثير من الأسر يفضلون اتجاه أبنائهم إلى العمل مبكرًا للمساهمة في تحسين مستوى المعيشة.
الأم التي صنعت رائد علم المصريات
وأوضحت أن والدة سليم حسن قدمت نموذجًا استثنائيًا للأم المصرية التي ضحت بكل ما تملك من أجل تعليم ابنها، إذ لم تتردد في بيع جزء من ممتلكاتها وأراضيها الزراعية حتى يتمكن من استكمال دراسته، رغم أن الأرض كانت تمثل مصدر الأمان الأساسي للأسرة في المجتمع الريفي آنذاك.
وأضافت أن هذا الدعم ظل حاضرًا في وجدان سليم حسن طوال حياته، وهو ما ظهر بوضوح عندما أهدى إحدى أهم مؤلفاته العلمية، الخاصة بحفائر الجيزة، إلى والدته تقديرًا لدورها الكبير في صناعة مستقبله، مؤكدًا أنها كانت صاحبة الفضل الأول في وصوله إلى المكانة العلمية التي حققها.
وأشارت مديرة مشروعات مركز توثيق التراث، إلى أن سليم حسن التحق بمدرسة المعلمين العليا، وتخرج فيها عام 1917، ليبدأ حياته المهنية معلمًا للتاريخ، وشارك في إعداد عدد من الكتب الدراسية الخاصة بالتاريخ العثماني وتاريخ أوروبا، والتي كانت تُدرَّس في المدارس خلال تلك الفترة.
ورغم نجاحه في مجال التدريس، لم يتراجع حلمه في التخصص بالحضارة المصرية القديمة، إذ ظل شغوفًا بدراسة تاريخ مصر القديمة، مؤمنًا بأن فهم جذور الحضارة المصرية يمثل المدخل الحقيقي لفهم الشخصية الوطنية، وهو ما دفعه إلى مواصلة التعلم والبحث حتى أصبح أحد أبرز المتخصصين في علم المصريات.
منافسة علمية مع أكبر البعثات الأجنبية
وأكدت أميرة صديق، أن سليم حسن استطاع أن يثبت قدرته العلمية في وقت كانت فيه كبرى البعثات الأجنبية، مثل بعثات جامعتي هارفارد وبوسطن، إلى جانب البعثة الألمانية بقيادة يونكر، تهيمن على أعمال الحفائر والدراسات الأثرية في مصر، موضحة أن موسوعته الشهيرة الخاصة بحفائر الجيزة، والتي كتبها باللغة الإنجليزية، لم تكن مجرد عمل علمي، بل مثلت إعلانًا لقدرة العالم المصري على منافسة المؤسسات الأجنبية الكبرى، بل والتفوق عليها في كثير من الجوانب العلمية، رغم الفارق الكبير في الإمكانات والموارد.
الحضارة المصرية أساس الهوية الوطنية
وتابعت أن سليم حسن كان ينظر إلى الحضارة المصرية القديمة باعتبارها الركيزة الأساسية التي تشكل هوية المصريين، إلى جانب الروافد الحضارية الأخرى التي مرت بها مصر عبر تاريخها، مشيرة إلى أنه كان يرى وجود حالة من العطش المعرفي لفهم التاريخ المصري القديم بصورة أعمق.
وأضافت أن هذا الإيمان دفعه إلى تكريس حياته لدراسة الحضارة المصرية ونشرها، إيمانًا منه بأن تاريخ مصر الممتد لآلاف السنين ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل أساس تُبنى عليه الشخصية المصرية الحديثة، ورسالة حضارية يجب أن يتعرف عليها العالم بأسره من خلال علماء مصريين يحملون الانتماء نفسه الذي حمله سليم حسن طوال مسيرته العلمية.






