رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ما الحكمة من القضاء والقدر للمسلم؟ علي جمعة يكشف السر

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان، بل هو من أجلِّ مظاهر الإيمان بالله تعالى، ويتمثل أصل الإيمان بالقدر في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

واستشهد علي جمعة، في منشور على فيس بوكك، بما قاله عبادة بن الصامت رضي الله عنه لابنه: «يا بُنَيَّ، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». ثم قال: «يا بُنَيَّ، إني سمعت رسول الله يقول: من مات على غير هذا فليس مني».

وقال رسول الله لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف».

وأشار إلى أنه ينبغي للمسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل ما يجري في الكون إنما يجري بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن الله سبحانه قد كتب مقادير الخلائق من الأزل، وأنه لا خالق للأفعال على جهة الإيجاد إلا الله، مع ثبوت قدرة الإنسان وإرادته واختياره وكسبه، ومن ثَمَّ استحق التكليف والثواب والعقاب.

الحكمة من القضاء والقدر

وذكر علي جمعة، أن في قضية القضاء والقدر حكمة عالية، تتمثل في ابتلاء الإنسان بالرضا عن الله وبقضائه؛ فالإنسان لا يعلم ما كُتب له غدًا، ولذلك كان له أن يتمنى، وأن يسعى إلى تحقيق ما هو مباح ومشروع، وأن يأخذ بالأسباب التي أقام الله عليها نظام الكون.

وتابع: فإذا لم تتحقق أمانيه، واختلف ما رتبه المخلوق لنفسه عما أراده الخالق له، ظهر صدق إيمانه؛ فإن كان ما اختاره الله له أحبَّ إليه من اختياره لنفسه، وسلَّم لله مع بذل الأسباب، فذلك المؤمن الصالح. وإن اعترض وسخط، كان عاصيًا جاهلًا، وقد يبلغ السخط بصاحبه ـ إذا انطوى على جحود حكم الله، أو اتهام حكمته وعدله ـ حدَّ الخروج من الملة، والعياذ بالله.

وأوضح أنه لا يعني الرضا بقضاء الله ألا يحزن الإنسان أو يتألم، ولا يعني الرضا بالظلم والمعصية والفساد؛ وإنما معناه أن يرضى بالله ربًّا، وبحكمته وتقديره، مع قيامه بما أوجبه الشرع من مقاومة الظلم، وإنكار المنكر، ودفع الضرر، والأخذ بالأسباب.

وقال علي جمعة، إن الإيمان بالقضاء والقدر هو التعبير العملي عن الإيمان بالله؛ فإن كنت تؤمن بوجود الله، وبصفات كماله وجلاله وجماله، وجب أن تؤمن بأثر هذه الصفات في أفعاله سبحانه، وأن تعلم أن أمرًا لا يخرج عن علمه وإرادته وقدرته.

وأكد أنه لا تنافي بين اعتقادك أن الله خالق الأفعال، وبين كونك مختارًا مريدًا؛ فإن اختيار الإنسان وإرادته أمران محسوسان لا ينكرهما عاقل، وقد أثبت القرآن للإنسان قدرةً ومشيئةً واختيارًا، فقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال سبحانه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.

وأضاف أن الصواب أن تثبت لنفسك فعلًا واختيارًا وكسبًا، وأن تعتقد في الوقت نفسه أن الله هو الخالق الفعَّال، وصاحب الأمر، وأن شيئًا لا يخرج عن دائرة علمه وقدرته وقهره سبحانه.

وأضاف أن القدر سر الله في خلقه؛ ولذا يقول بعض العارفين، كأبي العباس الحريثي: «من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم».

وذكر أن معنى ذلك أن العارف ينكر معاصي الخلق ومخالفاتهم من جهة الشريعة، ولكنه يرحمهم من جهة شهود ضعفهم وفقرهم وحاجتهم إلى هداية الله؛ من غير أن يُسقط عنهم التكليف، أو يتخذ القدر حجةً لتبرير المعصية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء