«ترامب ورّط نتنياهو».. إسرائيل تحصد الخيبات وتغرق بمستنقع العزلة|تقرير
بعد أشهر من الرهان على لغة السلاح، استيقظت النخبة السياسية والعسكرية في إسرائيل على صدمة استراتيجية لم تكن في الحسبان، وهي الإعلان الباكستاني المفاجئ عن توصل الولايات المتحدة وإيران لاتفاق ينهي حالة الحرب، والذي نزل كالصاعقة على أروقة القرار في تل أبيب، ليتجاوز مجرد كونه اختراقًا دبلوماسيًا بين واشنطن وطهران، ويتحول إلى نقطة تحول تاريخية تهدد بتقويض النفوذ الإقليمي لإسرائيل وتعميق عزلتها الدولية.
طهران تخرج أقوى.. واغتيال خامنئي لم يغير المعادلة
عندما أطلق رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو شرارة الحرب ضد إيران في 28 فبراير الماضي، كانت الأهداف الإسرائيلية معلنة بسقف غير مسبوق، من تفكيك البرنامج النووي، إلى تدمير الصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران.

إيران القوة العظمى
اليوم، وبعد قرابة أربعة أشهر، تبدو المحصلة صفرًا، لم يتحقق أي من تلك الأهداف؛ بل إن إيران تبرز اليوم كقوة إقليمية أكثر تماسكًا، فرغم الضربات القاسية التي تلقتها طهران، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلا أن قيادتها خرجت أكثر قوة، وبرامجها التسليحية لا تزال قائمة، بينما تتسابق دول الخليج العربي للتقارب مع طهران بدلًا من التودد لتل أبيب.
أنقذتكم من الإبادة.. خطاب نتنياهو مجرد سراب
في محاولة للهروب من الفخ الذي أوقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيه، ظهر نتنياهو في مؤتمر صحفي ليعلن لجمهوره انتصارًا وهميًا في غزة ولبنان وسوريا وإيران، مدعيًا أنه لولا ضرباته في يونيو 2025 وفبراير الماضي، لكانت طهران قد امتلكت السلاح النووي.
خاطب نتنياهو الإسرائيليين بنبرة فوقية قائلًا: "لقد كنتم جميعًا في خطر جسيم من الموت الجماعي، لقد أنقذت دولة إسرائيل من الإبادة"، غير أن هذا الخطاب الدرامي، لم يزد الشارع إلا قناعة بأن رئيس وزرائهم، بات يعيش في عالم موازٍ، مصورًا نفسه كزعيم أسطوري منزه عن المحاسبة، بينما يواجه ائتلافه الحاكم تراجعًا حادًا في استطلاعات الرأي “بين 50 و53 مقعدًا في الكنيست”، ما يعني خسارته الحتمية لأي أغلبية برلمانية مقبلة.
شبح التمرد في الكنيست
تجد المعارضة الإسرائيلية في هذا الاتفاق الناشئ، ذخيرة حية لإنهاء الحقبة السياسية لأطول رئيس وزراء بقاءً في منصبه، فالتركيز هنا ليس على مبدأ الحرب، بل على الفشل الذريع في إدارتها، حيث يصور نتنياهو كزعيم يغرق بالبلاد في جبهات مفتوحة دون استراتيجية واضحة أو خطة للخروج.
في المقابل، يتصاعد نجم رئيس الأركان السابق، جادي آيزنكوت، في استطلاعات الرأي كبديل متزن ومسؤول، قادر على اتخاذ القرارات الحاسمة، مما يجعل الأسابيع المقبلة نقطة تحول قد تعلن رسميًا بداية النهاية لنتنياهو، خاصة إذا أجبرت إسرائيل على تقديم تنازلات مهينة، والانسحاب من جنوب لبنان.
تعيش المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حالة من الذهول الإستراتيجي، فمنذ أكتوبر 2023، تحول جيش الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما تحت قيادة رئيس الأركان، إيال زامير من تبني الرؤى الاستراتيجية الواسعة إلى الاعتماد الحصري على عقيدة التدمير الشامل كأداة وحيدة لفرض الردع.
اليوم، تضرب الصفقة الأمريكية-الإيرانية هذا النهج في مقتل، فبينما يطالب الجنرالات بمزيد من العمليات المغامرة مثل قصف ضاحية بيروت الجنوبية، فإن كلفة هذه العمليات باتت معزولة سياسيًا، وإذا ما فرضت واشنطن انسحابًا إسرائيليًا من لبنان، فإن ذلك سيوجه ضربة قاضية لهيبة الجيش الذي تحول إلى لاعب سياسي يضغط دائمًا باتجاه الحروب.
سايكس بيكو جديد يهدد الوجود الإسرائيلي
تتجاوز المخاوف الإسرائيلية جبهة الشمال لتصل إلى غزة والضفة الغربية، حيث تشير التقديرات إلى أن الاتفاق قد يمهد الطريق لولادة تحالف إقليمي جديد يضم إيران، السعودية، مصر، قطر، وتركيا، هذا المحور الجديد قد يمارس ضغوطًا هائلة على إدارة ترامب لفرض ترتيبات جديدة في قطاع غزة والضفة، على غرار ما حدث عام 1991 عندما كافأت واشنطن الدول العربية على مشاركتها في حرب الخليج عبر إجبار إسرائيل على الجلوس في مؤتمر مدريد.
سيناريو التنازلات المفروضة أجنبيًا بات كابوسًا يطارد إسرائيل
أمام هذا المأزق، قد يجد نتنياهو ضالته السياسية في اللعب على وتر المظلومية التاريخية والعزلة، وتلميحًا لهذا المسار، طرحت الإعلامية المقربة من نتنياهو، ينون ماجال، اسمًا مقترحًا للعملية العسكرية المقبلة ضد إيران وهو "شعب يسكن وحده"، هذا الشعار المستوحي من سردية الانتحار الجماعي في ماسادا، يعكس استعداد اليمين الإسرائيلي لخوض معاركه بشكل مستقل والتمرد حتى على أوامر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالانسحاب من لبنان، مستندًا إلى ترسانة عسكرية جبارة وسلاح نووي رادع.
وأخيرًا، هل يقبل نتنياهو بالإملاءات الخارجية حفاظًا على ما تبقى من تحالفه مع ترامب، أم يختار الانتحار السياسي والاستراتيجي رافعًا شعار "عليّ وعلى أعدائي"؟