رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

70% من العقارات مخالفة.. لماذا تعثرت منظومة التصالح؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

تعد مخالفات البناء واحدة من أكثر الملفات العمرانية تعقيدا وتشابكا، إذ تمثل تحديا ممتدا منذ عقود أمام الدولة في إطار جهودها لتحقيق الانضباط العمراني وتنظيم التوسع السكني، وتشير تقديرات برلمانية ورسمية إلى أن نسبة كبيرة من العقارات القائمة بنيت دون ترخيص كامل أو مخالفة للاشتراطات البنائية، حيث تذهب بعض التقديرات إلى أن نحو 70% من العقارات في مصر بها شكل من أشكال المخالفة، سواء في البناء أو التعلية أو تغيير الاستخدام.

ورغم أن الأرقام الرسمية الصادرة عن بعض الجهات الحكومية تقدر نسب المخالفات بشكل أقل، فإن اتساع نطاق البناء العشوائي خلال السنوات الماضية، خاصة في فترات ضعف الرقابة، جعل من الصعب حصر الحجم الحقيقي للمشكلة بدقة، خصوصًا مع وجود مخالفات ممتدة في الريف والحضر على حد سواء، إلى جانب التعدي على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة.

 

بداية المنظومة ومحاولات التقنين

بدأت الدولة خلال السنوات الأخيرة في التحرك بشكل أكثر تنظيمًا نحو تقنين أوضاع مخالفات البناء، من خلال إصدار قانون التصالح في بعض مخالفات البناء رقم 17 لسنة 2019، ثم إجراء تعديلات لاحقة انتهت بإصدار القانون رقم 187 لسنة 2023، بهدف استيعاب أكبر عدد ممكن من المخالفات القائمة، وتحقيق توازن بين حماية الثروة العقارية وفرض الانضباط العمراني.

وقد استقبلت منظومة التصالح في مراحلها الأولى ملايين الطلبات، تجاوزت 2.8 مليون طلب وفق تقديرات رسمية، إلا أن نسبة البت الفعلي في الطلبات والتصالح النهائي لم تكن بالقدر المتوقع، حيث لم تتجاوز في بعض المراحل 2 إلى 3% فقط، نتيجة تعقيدات إجرائية وفنية متعددة، ما أثار جدلا واسعا داخل الأوساط البرلمانية والشعبية.

ومع إطلاق النسخة المطورة من القانون، شهدت المنظومة توسعا كبيرا في عدد الطلبات المقدمة، حيث تم الإعلان عن تلقي أكثر من مليوني طلب في بداية التطبيق، ثم ارتفع الرقم لاحقا ليصل إلى أكثر من 3 ملايين طلب قيد الفحص والدراسة. 

كما أشارت تقارير حديثة إلى تحصيل مليارات الجنيهات من عمليات التصالح، مع تقدم ملحوظ في إنهاء عدد كبير من الملفات، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة بسبب وجود مئات الآلاف من الطلبات المعلقة أو غير المكتملة.

 

أسباب تعثر منظومة التصالح

يرى خبراء ومراقبون أن تعثر منظومة التصالح يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها التعقيدات الإجرائية، حيث تتطلب العملية تقديم مستندات متعددة، وإجراء معاينات هندسية، وسداد رسوم فحص، إلى جانب دفع مبالغ جدية التصالح التي تختلف من منطقة لأخرى، وهو ما يمثل عبئا ماليا على شريحة كبيرة من المواطنين.

كما أن التكاليف المالية تمثل أحد أبرز التحديات، إذ تختلف قيمة التصالح حسب طبيعة المخالفة والموقع الجغرافي، وقد تصل في بعض الحالات إلى نسب مرتفعة مقارنة بالدخل المتوسط للأسر، ما يدفع البعض إلى تأجيل الإجراءات أو الامتناع عن استكمالها.

إلى جانب ذلك، توجد مشكلات فنية تتعلق بطبيعة بعض المخالفات التي لا يمكن التصالح عليها قانونا، مثل المباني المقامة على أراض زراعية أو أملاك دولة أو المناطق المحظور البناء فيها، فضلا عن الحالات التي تمثل خطورة إنشائية على السلامة العامة، هذه القيود تجعل شريحة من المخالفات خارج نطاق التقنين، ما يزيد من تعقيد المشهد.

كما يبرز نقص التنسيق بين الجهات التنفيذية كعامل مؤثر، حيث تعاني بعض اللجان من بطء في فحص الطلبات، ونقص في الكوادر الفنية، إلى جانب اختلاف التقديرات بين الجهات المعنية، وهو ما يؤدي إلى تأخير البت في الملفات لفترات طويلة.

 

البعد الاجتماعي والاقتصادي للأزمة

لا يمكن فصل ملف مخالفات البناء عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي، حيث يعيش ملايين المواطنين داخل وحدات مخالفة، سواء عن وعي أو نتيجة ظروف اقتصادية دفعتهم للبحث عن سكن أقل تكلفة، ومع الوقت أصبحت هذه الوحدات واقعا قائما يصعب تجاهله، خاصة مع ارتباطها بمرافق أساسية مثل الكهرباء والمياه والغاز.

كما أن النزاعات بين الملاك والمشترين في بعض العقارات المخالفة تزيد من تعقيد الملف، في ظل غياب أوراق رسمية أو تراخيص معتمدة، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار القانوني داخل السوق العقاري.

 

محاولات الإصلاح والتعديلات الجديدة

في محاولة لمعالجة هذه التحديات، تعمل الدولة على إعداد تعديلات جديدة على منظومة التصالح، تتضمن تسهيلات إضافية في بعض الحالات، وتوسيع نطاق المخالفات القابلة للتقنين، إلى جانب تخفيف الأعباء المالية على فئات معينة مثل أصحاب الدخل المحدود ومستفيدي برامج الحماية الاجتماعية.

كما تشمل التعديلات المرتقبة تبسيط الإجراءات وتقليل المستندات المطلوبة، مع الاعتماد بشكل أكبر على المنظومة الرقمية لتسريع عمليات الفحص والبت في الطلبات، بالإضافة إلى مد فترات التقديم في بعض الحالات لمنح فرصة أكبر لتوفيق الأوضاع.

في النهاية، يظهر ملف مخالفات البناء ومنظومة التصالح كأحد أكثر الملفات تعقيدا في قطاع العمران المصري، حيث تتداخل فيه العوامل القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ورغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة، لا يزال الطريق طويلًا نحو الوصول إلى منظومة مستقرة قادرة على إنهاء إرث عقود من البناء العشوائي، ويظل التحدي الحقيقي أمام الدولة هو تحقيق التوازن بين فرض القانون من جهة، وحماية المواطنين من جهة أخرى، مع توفير حلول عملية تضمن دمج هذا الكم الكبير من العقارات المخالفة داخل منظومة قانونية منظمة، بما يدعم خطط التنمية العمرانية المستدامة ويحول هذا التحدي إلى فرصة لإعادة تنظيم المشهد العمراني في مصر بشكل أكثر كفاءة واستقرارًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء