العيد جلولي لـ"إيجبتك".. «هنا القاهرة» وأم كلثوم شكّلا صورتي|خاص
قال الدكتور العيد جلولي، أستاذ بجامعة قاصدي مرباح ورقلة - الجزائر، إن زيارته الأولى إلى مصر لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت أشبه بعودة إلى مكان مألوف سكن وجدانه طويلًا قبل أن تطأه قدماه، مؤكداً أن مصر ظلت بالنسبة إليه حاضرة في الذاكرة والوجدان منذ سنوات الطفولة الأولى.
مكانة استثنائية
وأضاف جلولي، لـ"إيجبتك"، أن اسم "أم الدنيا" الذي يطلقه المصريون على بلدهم يحمل دلالات أعمق من مجرد وصفها بأنها مهد الحضارة، مشيراً إلى أن مصر تحتل مكانة استثنائية في التاريخ الإنساني، حتى إن الأوروبيين أسسوا علماً كاملاً لدراسة حضارتها هو "علم المصريات"، وهو أمر لا يتوافر لدولة أخرى بالمعنى نفسه.
وأوضح أن مصر كانت بالنسبة له أكبر من حدود الجغرافيا وأوسع من الخرائط السياسية، إذ مثلت طبقة متجذرة من الذاكرة العربية المشتركة، وظلت حاضرة في خياله من خلال صور المآذن وقت الغروب، والكتب القديمة، والأغنيات التي حملت أصوات كبار المبدعين أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، والشاعرين الكبيرين حافظ إبراهيم وأحمد شوقي.
مصر و"هنا القاهرة" وحفل أم كلثوم
وأشار إلى أن القاهرة كانت حاضرة في تفاصيل حياته اليومية منذ الصغر عبر جهاز مذياع قديم ورثه عن والده وما زال يحتفظ به حتى اليوم باعتباره من مقتنياته الثمينة، لافتاً إلى أن هذا المذياع كان ينقل إلى بيته في الجزائر صوت إذاعة "هنا القاهرة"، بما تحمله من أخبار وبرامج وثقافة جعلت العاصمة المصرية جزءاً من الحياة اليومية لكثير من العرب.
وأضاف أن أصوات كبار قراء القرآن الكريم، وفي مقدمتهم الشيخ محمود الحصري والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، أسهمت في تشكيل صورة روحية خاصة للقاهرة في وجدانه، إلى جانب الحضور الطاغي لصوت أم كلثوم التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد مطربة، بل رمزاً ثقافياً وحالة وجدانية عربية جامعة.
وأكد جلولي أن الحفل الشهري لأم كلثوم كان حدثاً استثنائياً ينتظره العرب في مختلف الأقطار، مشيراً إلى أن "الست"، كما يحب المصريون تسميتها، تجاوزت مكانة الفنانة التقليدية لتصبح رمزاً للكبرياء والحنين والهوية الثقافية العربية المشتركة.
زيارة مصر وأجواء دافئة
وأوضح أن زيارته الأولى لمصر كانت في مطلع شهر أبريل من العام الأخير في القرن العشرين، حيث استقبلته القاهرة بأجواء ربيعية دافئة، مشيراً إلى أنه شعر منذ اللحظة الأولى بأنه لا يزور مدينة جديدة، بل يعود إلى ذاكرة قديمة عاش معها سنوات طويلة عبر الأدب والفن والإعلام.
وقال إن اقتراب الطائرة من سماء القاهرة منحه انطباعاً أولياً لا ينسى، إذ بدت المدينة من الأعلى كلوحة واسعة رسمها النيل والضوء والحركة الدائمة، موضحاً أن القاهرة تمتلك قدرة فريدة على أن تفرض حضورها على الزائر منذ اللحظة الأولى بما تحمله من كثافة بشرية وحيوية وتاريخ.
وأضاف أن الطريق من المطار إلى قلب المدينة كان بمثابة رحلة اكتشاف، حيث راقب الشوارع والجسور وحركة الناس والباعة وأصوات السيارات القديمة، وشعر أن كثيراً من المشاهد التي يراها أمامه تشبه ما قرأه سابقاً في الروايات المصرية أو شاهده في الأفلام والمسلسلات.
وأكد أن القاهرة تمثل نموذجاً فريداً للتعايش بين التاريخ والحاضر، فهي مدينة تحتفظ بآثار قرون طويلة من الحضارة، وفي الوقت نفسه تعيش إيقاعاً يومياً سريعاً ومزدحماً، مشيراً إلى أن هذا التناقض بين العراقة والحيوية يمثل أحد أهم عناصر سحرها الخاص.
وأوضح جلولي أن المدينة بدت له أشبه بذاكرة مفتوحة للثقافة العربية، حيث تتجاور فيها آثار الفاطميين والمماليك مع تفاصيل الحياة الحديثة، وتختلط فيها الحكايات التاريخية بالمشاهد اليومية العادية.
وأضاف أن ساعات الفجر في القاهرة تمتلك طابعاً خاصاً، إذ ترتفع المآذن في الأفق بينما تبدأ الحركة في الشوارع والأسواق، ما يمنح المدينة مشهداً روحياً وإنسانياً فريداً يصعب نسيانه.
مصر .. التاريخ والثقافة
وأشار إلى أنه كان يشعر أثناء تجوله في القاهرة بأنه يسير فوق طبقات متراكمة من التاريخ والثقافة، مستحضراً أسماء كبار المبدعين الذين ارتبطوا بالمدينة، وفي مقدمتهم الأديب العالمي نجيب محفوظ وعميد الأدب العربي طه حسين، اللذان تركا بصمات لا تمحى في المشهد الثقافي المصري والعربي.
وأكد أن نهر النيل كان من أكثر المشاهد تأثيراً في نفسه، موضحاً أنه لم ينظر إليه باعتباره مجرد مجرى مائي، بل باعتباره رمزاً حضارياً يحمل ذاكرة آلاف السنين، ويمنح القاهرة جانبها الأكثر هدوءاً وشاعرية.
وأضاف أن الوقوف على ضفاف النيل منحه فرصة للتأمل في العلاقة العميقة بين النهر والمدينة، مشيراً إلى أن القاهرة تبدو أكثر هدوءاً ورقة عندما تقترب من النيل الذي ظل عبر التاريخ مصدر الحياة والاستقرار والحضارة.
الشعب المصري
وتحدث جلولي عن الشعب المصري، مؤكداً أن أكثر ما ترك أثراً في نفسه خلال الرحلة هو طبيعة المصريين الودودة وقدرتهم على استقبال الغرباء بروح من الألفة والمحبة، مشيراً إلى أن الحديث مع الناس في الشوارع والمقاهي كان كفيلاً بإزالة أي شعور بالغربة.
وأوضح أن المصريين يمتلكون قدرة خاصة على تحويل اللقاءات العابرة إلى ذكريات طويلة الأمد، وأن روح الدعابة والابتسامة الحاضرة في تعاملاتهم اليومية تمنح الزائر شعوراً سريعاً بالانتماء.
محطات في مصر
وأشار إلى أن من أبرز محطات رحلته كانت زيارة مسجد السيدة زينب بالقاهرة، مؤكداً أن المكان يتمتع بمكانة روحية وتاريخية كبيرة لدى المسلمين، وأنه شعر هناك بحالة من السكينة والصفاء الروحي بمجرد الاقتراب من المسجد.
وأضاف أن القاهرة في ساعات الليل تمتلك وجهاً مختلفاً لا يقل جمالاً عن النهار، حيث تنعكس الأضواء على صفحة النيل وتتحول المدينة إلى مساحة واسعة للتأمل واستعادة الذكريات والصور التي شكلت وجدان أجيال عربية كاملة.
وأكد أن الأفلام المصرية القديمة والمسلسلات والبرامج الإذاعية والأغاني الوطنية والعاطفية كانت جميعها حاضرة في ذاكرته أثناء تجواله في شوارع القاهرة، ما جعله يشعر بأن مصر لم تكن يوماً بلداً بعيداً عن العرب، بل جزءاً أصيلاً من وجدانهم الثقافي المشترك.
واختتم جلولي تصريحاته مؤكدًا على أن زيارته الأولى لمصر كانت بمثابة لقاء مؤجل مع ذاكرة عربية جامعة، مشدداً على أن بعض الأماكن لا تُزار بوصفها وجهات سياحية فحسب، وإنما تُعاش بكل ما تحمله من تاريخ وثقافة وإنسان، وهو ما وجده في مصر والقاهرة على وجه الخصوص.




