عميد سابق بالجيش اللبناني: لبنان أزمة معقدة تعيق تثبيت وقف إطلاق النار|خاص
في ظل تصاعد الأحداث في المنطقة مرة أخرى بعد ضرب إسرائيل للضاحية الجنوبية لبيروت، ورد إيران بشن هجمات على أهداف داخل الأراضي الإسرائيلية، تواصلنا في إيجبتك، مع العميد السابق في الجيش اللبناني الدكتور بهاء حلال، لاستعراض العوائق التي تحول دون نجاح وقف إطلاق النار في لبنان وفهم أبعاد الأزمة المرتبطة بالسلاح والسيادة والصراع مع إسرائيل.
وتأتي أهمية هذا التحليل في سياق التوترات الإقليمية المتجددة، حيث يبرز لبنان كنقطة محورية تؤثرعلى ديناميات الأمن والاستقرار في المنطقة، وتستدعي دراسة العوامل الأمنية والسياسية والتاريخية التي تجعل أي اتفاق تهدئة هشًا ومحدود الأثر.
أكثر المسارح تعقيدا

على مدار عقود، شكّل جنوب لبنان أحد أكثر المسارح الجيوسياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط، فكل محاولة لبناء استقرار مستدام أو فرض وقف إطلاق نار دائم تصطدم بسلسلة من العوامل الأمنية والسياسية والتاريخية التي تجعل الأزمة اللبنانية أكثر تعقيدًا من مجرد نزاع حدودي أو خلاف داخلي على السلطة.
وفي هذا السياق يبرز سؤال جوهري: لماذا تتعثر اتفاقات وقف إطلاق النار؟ ولماذا يتمسك حزب الله بخياراته العسكرية؟ وهل يمكن للدولة اللبنانية أن تنزع السلاح بالقوة أو بالقرار السياسي وحده؟ وما أسباب استمرار الانقسام حول دور المقاومة رغم استمرار الصراع مع إسرائيل؟
لماذا يتعثر دائما وقف إطلاق النار؟
يؤكد العميد بهاء حلال أن نظريات الأمن القومي تشير إلى أن نجاح أي وقف إطلاق نار يتطلب ثلاثة شروط أساسية: اقتناع الأطراف بأن الحرب لم تعد تحقق مكاسب إضافية، وجود آليات تنفيذ ورقابة واضحة، ومعالجة الأسباب الأصلية للنزاع.
في الحالة اللبنانية، يتركز الاهتمام غالبًا على وقف العمليات العسكرية دون معالجة جذور الأزمة، والتي تشمل استمرار النزاع الحدودي، الخلاف حول مفهوم الردع والأمن، غياب تسوية إقليمية شاملة، وانعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة. ولذلك، يتحول وقف إطلاق النار في كثير من الأحيان إلى هدنة مؤقتة أكثر منه تسوية نهائية.
لماذا يتمسك حزب الله بمواقفه المغايرة لموقف الدولة اللبنانية؟
يعتبر بهاء حلال أن حزب الله يرى أن سلاحه ليس مجرد أداة عسكرية، بل جزء من منظومة ردع نشأت في سياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان والصراعات اللاحقة.
ويستند موقفه إلى عدة اعتبارات: استمرار التهديد الإسرائيلي، الاعتقاد بأن ميزان القوى التقليدي لا يسمح للبنان وحده بردع إسرائيل، وأن تجربة المقاومة المسلحة ساهمت في انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، بالإضافة إلى الخشية من أن يؤدي التخلي عن عناصر القوة الحالية إلى اختلال التوازن القائم.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التقييم، فإنه يمثل أساسًا لفهم سلوك الحزب وخياراته الاستراتيجية.
هل حزب الله ذراع إيرانية أم حركة لبنانية؟
يؤكد بهاء حلال أن هذا السؤال يعد من أكثر القضايا إثارة للجدل في الحياة السياسية اللبنانية. فهناك من يرى أن الحزب جزء من شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني، مستندًا إلى حجم الدعم السياسي والعسكري والمالي والعقائدي بين الطرفين.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو الحزب أنه تنظيم لبناني المنشأ والقيادة والكوادر، وأن عناصره يقاتلون ويُقتلون على الأرض اللبنانية، وأن أولوياته ترتبط بالدفاع عن لبنان ومجتمعه. ومن منظور أكاديمي، لا يوجد تعارض حتمي بين البعدين، فالكثير من الحركات المسلحة في العالم تمتلك هوية وطنية واضحة، وفي الوقت نفسه ترتبط بتحالفات أو شبكات إقليمية ودولية تؤثر في قراراتها.
هل تستطيع الدولة اللبنانية نزع السلاح دون توافق وطني؟
ومن جانبه يصف بهاء حلال الوضع بأن التجارب تظهر دائما المقارنة أن مسألة السلاح المرتبط بقوى اجتماعية وسياسية واسعة لا تُحل عادة بالقوة المجردة. ففي المجتمعات المنقسمة، يؤدي فرض الحلول الأحادية غالبًا إلى نتائج عكسية ويفتح الباب أمام اضطرابات داخلية جديدة.
وتشير الدراسات إلى أن نجاح دمج القوى المسلحة أو إعادة هيكلة المنظومات الأمنية يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا، ضمانات متبادلة، رؤية دفاعية وطنية مشتركة، ومؤسسات دولة قادرة على استيعاب التحولات الجديدة. وغياب هذه العناصر يجعل أي مسار لنزع السلاح محفوفًا بمخاطر سياسية وأمنية كبيرة.
لماذا لبنان مستهدف دائما؟ لماذا لا يعيش في سلام؟
وفي هذا السياق يؤكد حلال على أن معظم اللبنانيين يتفقون نظريًا على هدف الاستقرار والسيادة الكاملة وإنهاء الاعتداءات والاحتلالات والنزاعات المسلحة، إلا أن الخلاف يتركز حول الوسائل والآليات لتحقيق هذه الأهداف.
فبعض اللبنانيين يعتقد أن المقاومة المسلحة هي الضمانة الأساسية لردع إسرائيل، في حين يرى آخرون أن حصر السلاح بيد الدولة هو المدخل الضروري لبناء دولة مستقرة وقادرة. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: الجميع يتفق على الغاية النهائية، لكن الخلاف يتركز حول الطريق المؤدي إليها.
ولذك فإن أزمة لبنان ليست مجرد أزمة سلاح أو حدود أو وقف إطلاق نار، بل ترتبط بتعريف مفهوم الأمن الوطني ذاته. فبين من يرى الأمن في امتلاك عناصر الردع خارج الدولة، ومن يراه في احتكار الدولة للقوة المسلحة، يستمر الجدل اللبناني منذ عقود.
ولذلك، فإن أي وقف إطلاق نار دائم أو تسوية مستقرة لن ينجح ما لم يترافق مع رؤية وطنية جامعة تعالج في الوقت نفسه مسألة السيادة، الدفاع الوطني، العلاقات الإقليمية، والتهديدات الخارجية، بما يسمح بتحويل التوافق الداخلي إلى أساس حقيقي للاستقرار والسلام.