ناصر عبد المنعم: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل التجربة المسرحية الحية|فيديو
قال المخرج المسرحي ناصر عبد المنعم أن المسرح لا يزال قادرًا على أداء دوره التنويري والثقافي رغم التحديات التي يواجهها في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أن تأثيره أصبح أقل اتساعًا مقارنة بفترات سابقة نتيجة تراجع الدعاية والتسويق وضعف وصول العروض المسرحية إلى الجمهور.
وأضاف عبد المنعم، خلال لقائه ببرنامج «مواجهات» مع الإعلامية معتزة مهابة على منصة «إيجبتك»، أن المسرح المصري يمتلك مقومات كبيرة لاستعادة مكانته، لكنه يحتاج إلى تكامل الجهود بين المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية من أجل الوصول إلى الجمهور وتعزيز حضوره في الحياة العامة.
مثلث النهوض بالمسرح
وأشار إلى أن مسؤولية تطوير المسرح لا تقع على عاتق وزارة الثقافة وحدها، موضحًا أن هناك ثلاثة أطراف رئيسية تشكل منظومة النهوض بالحركة المسرحية، وهي وزارة الثقافة ووزارة الإعلام ووزارة التربية والتعليم.
وأوضح أن وزارة الثقافة تقوم بالفعل بدور مهم من خلال إنتاج العروض المسرحية ودعم الفرق الفنية، وهو أمر أصبح نادرًا في كثير من دول العالم، حيث لا تحظى الفنون بالدعم المؤسسي الذي تحظى به في مصر، ونجاح هذه الجهود يتطلب دورًا موازيًا من وسائل الإعلام لتسليط الضوء على العروض المسرحية الجديدة والتعريف بها، بما يضمن وصولها إلى قطاعات أوسع من الجمهور.
الإعلام شريك أساسي في صناعة الجمهور
وأكد المخرج المسرحي أن الإعلام يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الذوق العام وتوجيه اهتمام الجمهور نحو الفنون المختلفة، مشيرًا إلى أن معظم القنوات التلفزيونية لا تزال تعتمد على إعادة عرض عدد محدود من المسرحيات القديمة خلال المناسبات والأعياد.
وأوضح أن الساحة المسرحية المصرية تشهد إنتاج عروض جديدة ومتنوعة في مسارح الدولة مثل مسرح الطليعة ومسرح الغد والمسرح القومي، إلا أن كثيرًا من هذه الأعمال لا تحظى بالانتشار الكافي بسبب ضعف التغطية الإعلامية.
وأضاف أن تصوير العروض المسرحية وبثها عبر المنصات والقنوات المختلفة يمكن أن يسهم بشكل كبير في جذب جمهور جديد للمسرح، خاصة من الأجيال الشابة التي تعتمد بشكل أساسي على الوسائط الرقمية في متابعة المحتوى الثقافي والفني.
المسرح المدرسي والجامعي بوابة اكتشاف المواهب
وشدد عبد المنعم على أهمية المسرح المدرسي والجامعي باعتبارهما القاعدة الأساسية لصناعة أجيال جديدة من المبدعين والجمهور في الوقت نفسه، موضحًا أن التجارب المسرحية داخل المدارس والجامعات لا تقتصر على اكتشاف المواهب الفنية فقط، بل تساهم أيضًا في بناء الشخصية وتنمية الوعي وتعزيز قيم الحوار والتفكير النقدي لدى الطلاب.
وأشار إلى أن ارتباط الأجيال الجديدة بالمسرح منذ سنوات الدراسة يخلق جمهورًا واعيًا ومهتمًا بالفنون والثقافة، وهو ما ينعكس إيجابًا على مستقبل الحركة المسرحية في مصر.
لماذا لا تصل العروض المسرحية إلى الجمهور؟
وتحدث عبد المنعم عن أزمة التسويق التي تواجه العروض المسرحية، موضحًا أن غالبية الأعمال يتم توثيقها بالفعل، لكن هذا التوثيق يظل محدودًا ويُستخدم لأغراض الأرشفة فقط.
وأضاف أن هناك تجارب سابقة نجحت في تصوير العروض المسرحية بصورة احترافية وإتاحتها للجمهور من خلال اتفاقات تحفظ حقوق المؤلفين والمخرجين والعاملين في العمل الفني، إلا أن هذه التجارب لم تستمر بالشكل المطلوب، مؤكدًا أن غياب ميزانيات الدعاية والإعلان يمثل أحد أكبر التحديات أمام المسرح المصري، خاصة في ظل المنافسة الشرسة مع وسائل الترفيه الحديثة ومنصات المشاهدة الرقمية.
المسرح التجريبي ليس فنًا للنخبة
ورفض عبد المنعم الفكرة الشائعة التي تربط المسرح التجريبي بالغرابة أو الابتعاد عن الجمهور، مؤكدًا أن التجريب في جوهره هو محاولة لتطوير الأشكال الفنية السائدة وتقديم رؤى جديدة أكثر قدرة على التعبير عن الواقع، حيث أوضح أن نجاح أي عرض تجريبي يرتبط بقدرته على ملامسة قضايا الناس والتعبير عن مشاعرهم وهمومهم، وليس بمجرد تقديم شكل مختلف أو غير مألوف.
وأشار إلى أن العديد من الأعمال التجريبية حققت نجاحًا جماهيريًا ونقديًا كبيرًا لأنها استندت إلى نصوص قوية وقضايا إنسانية قريبة من الجمهور، وهو ما يؤكد أن التجريب لا يتعارض مع الشعبية إذا أحسن توظيفه.
إعادة إحياء التراث المسرحي ضرورة ثقافية
وأكد المخرج المسرحي أهمية إعادة تقديم التراث المسرحي المصري بصورة معاصرة، مشيرًا إلى أن أعمال الرواد تمثل ثروة ثقافية وفنية يجب الحفاظ عليها وإعادة اكتشافها من قبل الأجيال الجديدة.
وأوضح أن العديد من المسرحيات الكلاسيكية لم توثق بالصورة الكافية، وهو ما يجعل إعادة إنتاجها وتقديمها على خشبات المسرح أمرًا ضروريًا للحفاظ على الذاكرة الفنية المصرية.
وأضاف أن العديد من الدول تعتمد على ما يعرف بـ«الريبيرتوار المسرحي»، وهو نظام يضمن استمرار تقديم الأعمال الكلاسيكية الكبرى بشكل دوري، بما يحافظ على التراث المسرحي ويجعله حاضرًا في الوعي الثقافي للمجتمع.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي المسرح
وحول تأثير التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي على مستقبل المسرح، أكد عبد المنعم أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور لن تستطيع أن تحل محل التجربة المسرحية الحية.
وأوضح أن جوهر المسرح يقوم على اللقاء المباشر بين الفنان والجمهور داخل المكان نفسه وفي اللحظة نفسها، وهي تجربة إنسانية يصعب استنساخها أو تعويضها عبر أي وسيلة تقنية.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم أدوات مساعدة في مجالات متعددة، لكنه لا يستطيع أن يخلق المشاعر الإنسانية الحقيقية أو التفاعل الحي الذي يميز العرض المسرحي.
وأضاف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا، وإنما في كيفية توظيفها لدعم الإبداع دون أن تتحول إلى بديل عن الفنان أو وسيلة لإضعاف الخيال والابتكار.
«الدخان».. مشروعه المسرحي الجديد
وكشف ناصر عبد المنعم عن استعداده لتقديم عرضه المسرحي الجديد «الدخان»، المأخوذ عن نص للكاتب الكبير ميخائيل رومان، أحد أبرز رموز المسرح المصري في ستينيات القرن الماضي.
وأوضح أن العمل يتناول قضية الإدمان من منظور إنساني وفكري عميق، ويسعى إلى مناقشة جذور الظاهرة وتأثيراتها النفسية والاجتماعية بعيدًا عن المعالجات التقليدية.
وأكد المخرج المسرحي على أن المسرح سيظل حاضرًا وقادرًا على التأثير مهما تغيرت الظروف، مستشهدًا بالمقولة الشهيرة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي: «ويبقى المسرح ما بقيت الحياة»، معتبرًا أن هذه العبارة تختصر حقيقة هذا الفن الذي نجح في البقاء والتجدد عبر مختلف العصور.

