ناصر عبد المنعم: الهوية المصرية مشروع حياتي في الإخراج|فيديو
قال المخرج المسرحي ناصر عبد المنعم، أحد أبرز مخرجي المسرح في مصر، أن المسرح يظل من أهم أدوات التثقيف والتوعية وبناء الوعي المجتمعي، مشيرًا إلى أن هذا الفن يمتلك خصوصية استثنائية تميزه عن باقي الفنون بسبب اعتماده على اللقاء المباشر بين المبدع والجمهور في اللحظة نفسها.
واستعرض عبد المنعم، خلال استضافته في برنامج «مواجهات» مع الإعلامية معتزة مهابة على منصة «إيجبتك»، رحلته الطويلة مع المسرح، وفلسفته الفنية القائمة على البحث عن الهوية المصرية والتجارب الإنسانية، إلى جانب اهتمامه بالمناطق المهمشة والثراء الثقافي المتنوع داخل المجتمع المصري.
كيف بدأت رحلة ناصر عبد المنعم مع المسرح؟
وكشف المخرج المسرحي، أن شغفه بالمسرح بدأ منذ سنوات الدراسة الأولى، موضحًا أن دخوله عالم المسرح لم يكن مخططًا له في البداية، بل جاء نتيجة مشاركته في الأنشطة المدرسية، مستفيدًا من إجادته للغة العربية والفصحى.
وأشار إلى أن والده كان صحفيًا مهتمًا بالأدب والثقافة، بينما كانت والدته قارئة نهمة، وهو ما أسهم في تكوينه اللغوي والثقافي منذ الصغر، لافتًا إلى أن أول تجربة مسرحية له كانت خلال المرحلة الابتدائية في عمل تناول الحملة الفرنسية باللغة العربية الفصحى، وتلك التجربة كانت نقطة التحول الحقيقية في حياته، حيث اكتشف سحر المسرح وتأثيره، لتتحول المشاركة المدرسية إلى شغف دائم قاده لاحقًا إلى احتراف هذا الفن.
لماذا يعتبر المسرح فنًا مختلفًا عن باقي الفنون؟
وأوضح عبد المنعم أن أكثر ما جذبه إلى المسرح هو كونه الفن الوحيد الذي يجمع المبدع والمتلقي في مكان واحد ولحظة واحدة، على عكس السينما أو الفنون المسجلة التي تصل إلى الجمهور عبر وسائط مختلفة.
وأكد أن المسرح هو «فن الهواء» أو الفن الحي، حيث يتطلب حضورًا مباشرًا وتركيزًا كبيرًا من الممثل والجمهور على حد سواء، وهو ما يمنحه سحره الخاص وقدرته الفريدة على التأثير والتواصل الإنساني، وهذه العلاقة المباشرة بين الفنان والجمهور تمنح العرض المسرحي طاقة متجددة تختلف من ليلة إلى أخرى، وتجعل كل تجربة مسرحية حالة إنسانية لا تتكرر بنفس التفاصيل.
البحث عن الهوية المصرية والإنسان المهمش
وتحدث ناصر عبد المنعم، عن مشروعه الفني الذي تبناه منذ سنوات عمله داخل مسرح الطليعة، مؤكدًا أنه كان مقتنعًا بأهمية امتلاك الفنان مشروعًا فكريًا واضحًا يعبر عنه من خلال أعماله.
وأوضح أنه وجد أن العديد من النصوص المسرحية تدور حول موضوعات متشابهة وثنائيات متكررة، مثل السلطة والشعب أو الرجل والمرأة، لذلك اتجه إلى مناطق جديدة أكثر ثراءً وخصوصية، بحثًا عن الإنسان البسيط والمهمش الموجود بعيدًا عن مركز الضوء.
وأشار إلى أن أعمالًا مثل «الطوق والأسورة» فتحت أمامه آفاقًا واسعة لاستكشاف البيئات المصرية المختلفة، خاصة المناطق التي تمتلك تراثًا ثقافيًا وإنسانيًا غنيًا لم يحظ بالاهتمام الكافي.
النوبة كنز ثقافي ألهم تجاربه المسرحية
وأكد أن النوبة تمثل نموذجًا فريدًا للثراء الثقافي المصري، موضحًا أن سكانها يمتلكون فلسفة خاصة تنعكس في العمارة والموسيقى والفنون الشعبية والحياة اليومية، حيث أن الزخارف والألوان المستخدمة في البيوت النوبية ليست مجرد أشكال جمالية عشوائية، بل تحمل دلالات مرتبطة بالبيئة والطبيعة، مثل الجبال والنيل، مشيرًا إلى أن الثقافة النوبية تقدم كنوزًا فنية وإنسانية هائلة يمكن الاستفادة منها في المسرح والفنون المختلفة.
كما لفت إلى أن الموسيقى النوبية تتميز بإيقاعات خاصة، أبرزها الإيقاع الخماسي الذي ساهم في تشكيل تجربة عدد من الفنانين، ومن بينهم الفنان الكبير محمد منير.
نهر النيل الرابط المشترك بين الثقافات المصرية
ويرى المخرج المسرحي أن التنوع الثقافي الكبير داخل مصر لا يتعارض مع وجود رابط موحد يجمع بين جميع البيئات والمجتمعات المحلية، مشيرًا إلى أن نهر النيل لعب هذا الدور عبر التاريخ.
وأوضح أن النيل كان سببًا رئيسيًا في تشكل الحضارة المصرية وانتقال الثقافات والعادات والتقاليد بين مختلف المناطق، فضلًا عن كونه شريان الحياة الذي استقرت حوله التجمعات السكانية منذ آلاف السنين، وهذا الرابط الحضاري أسهم في صناعة وحدة ثقافية مصرية تجمع بين أبناء الصعيد والدلتا والنوبة وسائر المناطق رغم اختلاف الخصوصيات المحلية لكل منطقة.
تمصير الأعمال العالمية دون فقدان روحها الأصلية
وتحدث عبد المنعم عن تجربته في تقديم أعمال عالمية شهيرة مثل «كارمن» و«أحدب نوتردام»، مؤكدًا أن سر خلود الأعمال الكلاسيكية يكمن في تناولها لقضايا إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
وأوضح أن الأعمال الخالدة، مثل مسرحيات ويليام شكسبير، تظل قادرة على مخاطبة الأجيال المختلفة لأنها تعالج موضوعات إنسانية دائمة الحضور مثل الحرية والتردد والسلطة والعلاقات الأسرية.
وأشار إلى أنه يحرص عند تقديم النصوص العالمية على الحفاظ على جوهرها الإنساني، مع تقريبها من الروح المصرية والثقافة المحلية، بما يساعد الجمهور على التفاعل معها بصورة أكبر دون الإخلال برسالتها الأصلية.
المسرح أداة للتنوير وبناء الوعي المجتمعي
وتابع المخرج الكبير ناصر عبد المنعم، أن المسرح لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل ظل عبر تاريخه أحد أهم الأدوات الثقافية القادرة على تشكيل الوعي ونقل المعرفة وطرح القضايا المجتمعية.
وشدد على أن المسرح يمثل مرآة حقيقية للمجتمع، ويسهم في تعزيز الحوار والتفكير النقدي، ما يجعله أحد الركائز الأساسية في بناء الإنسان والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، خاصة في ظل التحديات الفكرية والثقافية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.
مسيرة فنية حافلة وتكريمات محلية وعربية
ويعد المخرج المسرحي الكبير ناصر عبد المنعم من الأسماء البارزة في الحركة المسرحية المصرية، حيث أخرج أكثر من 50 عرضًا مسرحيًا، وتولى العديد من المناصب الثقافية والقيادية المهمة على مدار سنوات عمله في المجال الفني والثقافي.
كما حصد العديد من التكريمات والجوائز في مهرجانات كبرى، من بينها مهرجان المسرح العربي، ومهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، والمهرجان القومي للمسرح المصري، وقدم أعمالًا مسرحية تركت بصمة واضحة لدى الجمهور والنقاد، أبرزها «الطوق والأسورة»، و«ناس النهر»، و«وطن الجنون»، و«أولاد الغضب والحب»، فيما كان أحدث أعماله المسرحية عرض «كارمن».

