المفاوضات الإيرانية الأمريكية.. "فن الصفقة" أمام "فن التفاوض" من سينتصر؟
يبدأ كتاب «فن الصفقة» للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الصادر عام 1987، بتأكيد أهمية الانطلاق المبكر في الحياة والعمل، حيث يشير ترامب إلى أنه يعتاد الاستيقاظ في نحو الخامسة صباحًا، ما يمنحه وقتًا إضافيًا لبدء يومه بطاقة عالية وإيقاع إنتاجي منتظم. ويخصص ساعات الصباح لمتابعة الصحف والاطلاع على اتجاهات السوق واتخاذ القرارات المهمة، معتبرًا أن هذا الروتين يمنحه ميزة تنافسية في عالم الأعمال.
نُبذة عن كتاب “فن الصفقة”
ويركز الكتاب على أهمية العلاقات الإنسانية والشبكات المهنية، إذ يرى ترامب أن بناء شبكة واسعة من الاتصالات يمثل أصلًا حقيقيًا يمكن الاستفادة منه في مختلف المجالات، سواء في السياسة أو الأعمال أو غيرها. ويقدم مجموعة من النصائح في هذا السياق، أبرزها التحلي بالصدق، وتقديم الدعم للآخرين دون انتظار مقابل فوري، والحفاظ على التواصل المستمر حتى في غياب الحاجة المباشرة.
وينتقل ترامب إلى الحديث عن فن التفاوض، مؤكدًا أن النجاح في إبرام الصفقات يعتمد على التفكير الكبير والطموح العالي، إلى جانب تحديد أهداف واضحة وممتدة. كما يشدد على أهمية المعرفة الدقيقة بالسوق، والصبر في التوقيت، إذ يرى أن التسرع قد يؤدي إلى خسارة فرص مهمة، بينما يمنح التوقيت الصحيح أفضل النتائج الممكنة.
فلسفة «التفكير الكبير»
ويطرح الكتاب أيضًا فلسفة «التفكير الكبير»، حيث يدعو ترامب إلى تجنب الأهداف المحدودة، معتبرًا أن الطموحات الكبيرة تفتح آفاقًا أوسع وتخلق فرصًا أكبر، مع التأكيد على أهمية الجرأة في خوض المخاطر المحسوبة، عبر دراسة دقيقة للمعطيات ووضع خطط بديلة للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
كما يتناول أهمية الاهتمام بالتفاصيل في نجاح المشاريع، من خلال مراقبة الجودة والمشاركة المباشرة في مراحل التنفيذ، إضافة إلى الاعتماد على التغذية الراجعة لتطوير الأداء بشكل مستمر. ويركز كذلك على بناء العلامة التجارية الشخصية، حيث يرى أن الاسم والسمعة يمثلان عنصرًا أساسيًا في النجاح، مع ضرورة الحفاظ على الاتساق والوضوح وتعزيز صورة احترافية قوية في ذهن الجمهور.
ويختتم الكتاب بالتأكيد على أن المثابرة تمثل مفتاح النجاح الحقيقي، من خلال تحديد الأهداف بوضوح، والحفاظ على التركيز، والقدرة على التعافي من الإخفاقات، باعتبار أن الاستمرار رغم التحديات هو ما يصنع الفارق في نهاية المطاف.
كتاب فن المفاوضات لعراقجي
يُعد كتاب «قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية» لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والصادر عام 2025، من الأعمال التي تجمع بين الخبرة الدبلوماسية الممتدة لما يقرب من ثلاثة عقود، وبين الطرح النظري لفن التفاوض وأساليبه. ويقدّم الكتاب قراءة موسعة في آليات العمل الدبلوماسي، مع تركيز واضح على ما يُعرف بخصائص المدرسة الشرقية في التفاوض.
وتشير مقدمة الكتاب، التي كتبها وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، إلى أن هذا العمل يمثل إضافة مهمة لدارسي السياسة الخارجية والدبلوماسية، لما يقدمه من رؤية تجمع بين التجربة العملية والتحليل العلمي، بما يجعله مرجعًا للطلاب والدبلوماسيين المبتدئين على حد سواء.
الدبلوماسية مزيج من العلم والخبرة
ويركز عراقجي في كتابه على تصوير الدبلوماسية بوصفها مزيجًا من العلم والخبرة، مستعينًا بأمثلة واقعية وتشبيهات مبسطة تقرّب المفاهيم المعقدة إلى القارئ. كما يشبه العمل الدبلوماسي بالسوق التقليدي «البازار»، حيث يقوم التفاوض على المساومة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل التكاليف الممكنة، وهو ما يعكس طبيعة التفاعل في بيئات التفاوض الشرقية.
ويبرز الكتاب أهمية التوقيت في العمل الدبلوماسي، إلى جانب الصبر والتخطيط بعيد المدى، معتبرًا أن المفاوضات لا تُدار بعجلة، بل وفق إدراك واسع للزمن والسياسة، بما يتجاوز الحسابات الآنية نحو رؤية ممتدة.
كما يتناول المؤلف العلاقة بين الدبلوماسية والصراع، مشيرًا إلى أن التفاوض قد يكون امتدادًا للحرب أو بديلًا عنها، في إطار ما يسميه البعض «حربًا بوسائل سلمية»، وهو ما يعزز فكرة الترابط بين القوة السياسية وأدوات التفاوض.
ويؤكد عراقجي أيضًا أن شخصية المفاوض تلعب دورًا محوريًا في نجاح العملية التفاوضية، حيث تتداخل المهارات الفردية مع عناصر القوة الوطنية لتحقيق الأهداف المرجوة، مع التشديد على أن القوة غير الفاعلة لا تحقق نتائج ملموسة مهما بلغت إمكاناتها.
الجسر الذهبي
ويتناول الكتاب كذلك مفاهيم تفاوضية مثل «الجسر الذهبي»، الذي يتيح للطرفين مساحة للخروج من الأزمات دون خسائر كبيرة، إضافة إلى أهمية لغة الجسد ونبرة الصوت في التأثير خلال المفاوضات، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن الكلمات المستخدمة.
كما يسلط الضوء على ما يسميه «وجه البوكر» في الدبلوماسية، أي القدرة على ضبط الانفعالات وإخفاء المشاعر أثناء التفاوض، مؤكدًا أن السيطرة على التعبير العاطفي مهارة مكتسبة تتطلب تدريبًا وممارسة مستمرة.
وفي ختام عرضه، يطرح الكتاب رؤية شاملة لفن التفاوض باعتباره أداة مركبة تجمع بين الذكاء السياسي والانضباط النفسي والخبرة العملية، بما يجعل الدبلوماسية فنًا قائمًا على التوازن بين القوة والمرونة.






