واعظ بالأزهر يوضح أسرار المناسك ورسائل السعي بين الصفا والمروة
قال الدكتور جمال عثمان، الواعظ بالجامع الأزهر، أن فريضة الحج تعد من أعظم الشعائر التي فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين، لما تحمله من معانٍ إيمانية وروحية عميقة، مشيرًا إلى أن مناسك الحج لا تقتصر على أداء طقوس دينية فقط، بل تتضمن رسائل تربوية وعقائدية تعزز الإيمان والتوكل على الله.
وأوضح الدكتور جمال عثمان، خلال تقديمه برنامج «من الأزهر» عبر منصات موقع «إيجبتك»، أن الحج يمثل رحلة إيمانية فريدة تربط المسلم بتاريخ الأنبياء والرسالات السماوية، وتغرس في النفوس معاني الطاعة واليقين والثقة في رحمة الله سبحانه وتعالى.
الحج فريضة عظيمة فرضها الله على المسلمين
وأشار واعظ الجامع الأزهر إلى أن الله سبحانه وتعالى فرض الحج على المسلمين المستطيعين، مستشهدًا بقول الله تعالى:
«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا».
وأوضح أن البيت الحرام يعد أول بيت وُضع للناس على وجه الأرض، ولذلك اكتسب مكانته العظيمة وقداسته الكبيرة في قلوب المسلمين، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى خص هذا المكان المبارك بالتشريف والتكريم.
وأضاف الدكتور جمال عثمان أن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما ترك زوجته السيدة هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، كان ذلك تنفيذًا لأمر الله سبحانه وتعالى.
واستشهد بما جاء في دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام:
«رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ».
وأشار إلى أن دعوة سيدنا إبراهيم تحققت، فأصبحت قلوب المسلمين تهفو إلى بيت الله الحرام، ويتوافد الملايين سنويًا لأداء مناسك الحج والعمرة وزيارة الأماكن المقدسة.
مناسك الحج تحمل رسائل إيمانية وروحية
وأكد واعظ الجامع الأزهر أن الإسلام حرص على تحويل المعاني العقائدية والنظرية إلى مشاعر وسلوكيات عملية يعيشها المسلم خلال أداء المناسك، موضحًا أن كل شعيرة من شعائر الحج تحمل رسالة إيمانية للأمة الإسلامية.
وأضاف أن المسلم عندما يتأمل مناسك الحج والعمرة يدرك أن الإسلام يربط بين العبادة والعاطفة الإيمانية، ويغرس في النفس معاني الطاعة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
وأوضح أن القرآن الكريم أشار إلى مكانة شعيرة السعي بين الصفا والمروة بقوله تعالى:
«إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا».
قصة السيدة هاجر ومعنى اليقين في الله
وأشار الدكتور جمال عثمان إلى أن السعي بين الصفا والمروة يرمز إلى قصة السيدة هاجر عندما تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام مع طفلها الرضيع سيدنا إسماعيل في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع.
وأوضح أن السيدة هاجر عندما سألت سيدنا إبراهيم: «آلله أمرك بهذا؟» وأجابها بـ«نعم»، قالت بيقين وإيمان كامل: «إذن لن يضيعنا».
وأكد أن هذه الكلمات تمثل قمة الثقة والتوكل على الله سبحانه وتعالى، رغم صعوبة الموقف وقسوة الظروف، مشيرًا إلى أن السيدة هاجر بدأت تسعى بين الصفا والمروة بحثًا عن الماء أو أي علامة تدل على الحياة.
وأضاف أن السيدة هاجر ظلت تكرر السعي مرات عديدة، حتى فجر الله سبحانه وتعالى ماء زمزم من تحت قدمي سيدنا إسماعيل عليه السلام، لتبدأ الحياة في هذا المكان المبارك.
ظهور ماء زمزم وبداية العمران في مكة
وأوضح واعظ الجامع الأزهر أن ظهور ماء زمزم كان بداية إعمار المنطقة المحيطة ببيت الله الحرام، حيث بدأت الطيور تتجمع حول الماء، الأمر الذي لفت انتباه القبائل العربية.
وأشار إلى أن بعض الأعراب عندما شاهدوا تجمع الطيور أدركوا وجود الماء، فتوجهوا إلى السيدة هاجر وطلبوا الإقامة بجوارها والاستفادة من الماء، فوافقت على ذلك.
وأكد أن قصة السيدة هاجر تمثل رسالة عظيمة لكل مسلم تؤكد أن التوكل الحقيقي على الله لا يضيع صاحبه أبدًا، وأن الله سبحانه وتعالى يرزق عباده من حيث لا يحتسبون.
التوكل على الله من أهم رسائل الحج
وشدد الدكتور جمال عثمان على أن من أعظم الدروس المستفادة من مناسك الحج هو التوكل على الله سبحانه وتعالى والثقة في عطائه ورحمته.
وأوضح أن المسلم عندما يؤدي شعائر الحج يستحضر دائمًا أن الله لا يترك عباده أبدًا، وأن من يتوكل على الله بحق يجد الخير والرزق والطمأنينة.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور جمال عثمان، على أن فريضة الحج ليست مجرد مناسك تؤدى، بل مدرسة إيمانية متكاملة تعلم المسلم الصبر واليقين والطاعة والتوكل، وتربطه بسيرة الأنبياء وقيم الإسلام السمحة.
