رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الزيارة الـ25.. كيف يرسم الزعيمان"بوتين"و"شي"عصر ما بعد الهيمنة الأمريكية

أعلام الصين وروسيا
أعلام الصين وروسيا

في قلب بكين، حيث تتقاطع خطوط التاريخ والمستقبل، هبط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليصفّي حسابات عصر بأكمله، لم تكن زيارته الـ25 مجرد لقاء روتيني بين زعيمين، بل إعلاناً صريحاً عن ولادة تحالف يُعاد تشكيله في الظل، يمتد جذوره إلى عقود، ويطمح اليوم إلى أن يكون النواة الصلبة لنظام عالمي جديد.


على أرض الصين التي أصبحت مركز الجاذبية الدبلوماسية العالمية، يلتقي رجلان يمثلان أكبر قوتين برّيتين في العالم، يجمعهما رفض مشترك للهيمنة الأحادية، وإيمان راسخ بأن «عصر القطب الواحد» قد ولّى إلى غير رجعة. 

بوتين وشي جين بينغ ليسا فقط شريكين استراتيجيين، بل مهندسَيْ مشروع يطمح إلى إعادة رسم خريطة السلطة العالمية: من الدولار إلى اليوان والروبل، ومن قواعد النظام الليبرالي الغربي إلى «تعددية قطبية» تعكس توازنات القوة الجديدة.

الثقة في بكين


هنا، في هذه الزيارة، لا يُكتب فصل جديد في العلاقات الروسية الصينية فحسب، بل تُرسم ملامح القرن الحادي والعشرين بمداده الأكثر كثافة: تحالف قديم يتجدد، وطموح جريء يدفع باتجاه عالم لا يحكمه طرف واحد، حيث وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين يوم 19 مايو 2026 في زيارة دولة تستغرق يومين، تلبية لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ. 

هذه الزيارة – الـ25 لبوتين إلى الصين – تأتي بعد أيام قليلة فقط من قمة شي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعكس الثقة المتزايدة في "بكين" كمركز دبلوماسي عالمي، مع تعزيز الشراكة الاستراتيجية الروسية الصينية كقوة مضادة للهيمنة الأحادية.


استقبال فخم ودلالات استراتيجية


استُقبل بوتين بحرس شرف وعرض عسكري مصغر، مع أطفال يلوحون بأعلام البلدين. وصف الرئيس الروسي علاقات بلاده بالصين بأنها بلغت "مستوى غير مسبوق"، بينما أكد شي على الشراكة كـ"قوة استقرار" في عالم يواجه مخاطر "قانون الغابة"، في إشارة واضحة إلى السياسات الأمريكية.
أجرى الزعيمان محادثات ثنائية في صيغة ضيقة ثم موسعة، ووقعا أكثر من 20 اتفاقية في مجالات التجارة والتكنولوجيا والطاقة، بالإضافة إلى إعلان مشترك حول "نظام عالمي متعدد الأقطاب" و"نوع جديد من العلاقات الدولية". يُتوقع توقيع نحو 40 وثيقة إجمالاً، بما في ذلك بيان مشترك طويل يعزز الشراكة الشاملة.


التحالف القديم المتجدد


تعود جذور الشراكة الروسية الصينية إلى عقود، لكنها بلغت ذروتها بعد عام 2014 مع العقوبات الغربية على روسيا، وتعمقت أكثر بعد 2022. يصف الجانبان العلاقة بـ"الشراكة الاستراتيجية الشاملة لعصر جديد"، وهي غير موجهة ضد أي طرف ثالث رسمياً، لكنها في الواقع تشكل محوراً يتحدى النظام الدولي الليبرالي الغربي.
نقاط القوة الرئيسية:
التجارة والطاقة: تجاوز حجم التجارة البينية 200 مليار دولار سنوياً. روسيا أكبر مورد نفط وغاز للصين، وتم تجديد خطط أنبوب غاز رئيسي جديد. الصين توفر تقنيات وسلعاً صناعية تدعم الاقتصاد الروسي تحت العقوبات.
التنسيق الدولي: تعاون في بريكس، منظمة شنغهاي للتعاون، والأمم المتحدة. يدعمان "التعددية القطبية" ويرفضان "الأحادية" و"الإكراه الاقتصادي".
الأبعاد العسكرية والتكنولوجية: مناورات مشتركة، تبادل تكنولوجي، وتنسيق في قضايا مثل أوكرانيا، تايوان، والشرق الأوسط (دعوة لوقف إطلاق النار).


الدفع نحو نظام عالمي جديد


يُعد الإعلان المشترك عن "النظام متعدد الأقطاب" أبرز مخرجات الزيارة. يرى الزعيمان أن "النظام الاستعماري" القديم فشل، ويروجان لعالم أكثر عدلاً يعتمد على "الاحترام المتبادل" والسيادة، بعيداً عن "الهيمنة الأمريكية". هذا يأتي في سياق توترات مع واشنطن، خاصة تحت إدارة ترامب الثانية، مع انتقادات للدفاع الصاروخي الأمريكي و"القطبية الأحادية".
يصف محللون الزيارة بأنها "تذكير صامت" لواشنطن بأن الشراكة الروسية الصينية عميقة الجذور، وتفوق أي تقدم في العلاقات الصينية الأمريكية. بكين تستفيد من الطاقة الرخيصة والسوق الروسي، بينما تحصل موسكو على دعم دبلوماسي واقتصادي حاسم.

مستقبل البلدين


رغم التقارب، توجد تحفظات: الصين تحافظ على توازن مع الغرب لأسباب اقتصادية، ولا تقدم دعماً عسكرياً مباشراً لروسيا في أوكرانيا. كما أن الاعتماد الروسي المتزايد على الصين قد يخلق عدم توازن في العلاقة.
مع ذلك، يبدو التحالف متيناً أمام الضغوط الخارجية، ويشكل دعامة أساسية لـ"الجنوب العالمي" في مواجهة ما يُرى كتراجع غربي، زيارة بوتين تؤكد أن بكين أصبحت ساحة للدبلوماسية الكبرى، حيث يلتقي قادة العالم لرسم ملامح المستقبل. 

الشراكة الروسية الصينية ليست مجرد تحالف تقليدي، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي. النتائج الملموسة ستُقاس بمدى تنفيذ الاتفاقيات على الأرض، لكن الرسالة السياسية واضحة: عصر القطب الواحد يتراجع

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء