خبير: مشروع الدلتا الجديدة اختبار حقيقي لقدرة مصر على بناء زراعة حديثة|خاص
قال الدكتور خالد فتحي سالم، أستاذ بيتكنولوجيا المحاصيل، إن مشهد افتتاح مشروع الدلتا الجديدة بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة حمل رسائل سياسية واقتصادية وزراعية عميقة، موضحا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتح المشروع في خطوة تُعد من أضخم محاولات إعادة تشكيل الخريطة الزراعية المصرية منذ عقود.
وأضاف أن الحكومة وصفت المشروع بأنه قلب الجمهورية الزراعية الجديدة، مشيرا إلى أنه يستهدف زراعة نحو 2.2 مليون فدان باستثمارات تُقدر بحوالي 800 مليار جنيه.
وأكد الدكتور خالد فتحي سالم في تصريحات خاصة لـ “إيجبتك” أن المشروع لا يمثل مجرد توسع أفقي في الأراضي الزراعية، بل يعكس رهانا استراتيجيا على مستقبل الأمن الغذائي المصري في ظل تحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية وارتفاع أسعار الغذاء عالميا.
وتساءل قائلا إن مصر تواجه سؤالا محوريا: هل تستطيع بالفعل تحويل ملايين الأفدنة الصحراوية إلى إنتاج زراعي مستدام يعتمد على مياه الصرف الزراعي المعالجة؟ أم أن التحديات قد تجعل كلفته الاقتصادية والبيئية أكبر من عوائده المتوقعة؟
مشروع بحجم دولة زراعية جديدة
قال “سالم” إن مشروع الدلتا الجديدة لا يُعد مجرد مساحة زراعية إضافية، بل يُنظر إليه باعتباره محاولة لبناء دلتا موازية خارج الوادي التقليدي المكتظ بالسكان.

وأوضح أن المشروع يمتد في مناطق غرب الدلتا، ويرتكز على بنية تحتية ضخمة تشمل:
شبكة طرق بطول يقارب 12 ألف كيلومتر، مسارين رئيسيين لنقل المياه بطول 150 كيلومترا لكل منهما.
19 محطة رفع رئيسية
محطات كهرباء بقدرات تقارب 2000 ميجاوات
مشاركة أكثر من 150 شركة زراعية وشركات داعمة
وأضاف أن المشروع يوفر – وفق التقديرات الرسمية – نحو مليوني فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، في محاولة لتحويل المنطقة إلى مركز إنتاج زراعي وصناعي متكامل.
وأشار إلى أن الرئيس تابع خلال الزيارة التفقدية نموذج تشغيل محطة رفع المياه رقم (3) نبع، إلى جانب منظومة حصاد القمح ومحصول بنجر السكر، في رسالة تؤكد الربط بين الأمن الغذائي والإنتاج الصناعي الزراعي.
لماذا تتجه مصر نحو الصحراء؟
قال الدكتور خالد فتحي سالم إن مصر تواجه معادلة شديدة التعقيد، موضحا أن عدد السكان يقترب من 120 مليون نسمة، بينما تظل الرقعة الزراعية التقليدية محدودة حول نهر النيل والدلتا القديمة.
وأضاف أن الأراضي الزراعية تتآكل بفعل: الزحف العمراني، تفتت الملكيات، تراجع خصوبة بعض الأراضي، الضغوط المناخية
وأكد أن نصيب الفرد من المياه انخفض إلى ما دون خط الفقر المائي عالميا، مع ثبات الحصة المائية تقريبا أمام زيادة سكانية متسارعة.
وأوضح أن الدولة أصبحت أمام خيارين: إما الاستمرار في الاعتماد على الأراضي القديمة، أو الاتجاه إلى الصحراء مع تطوير حلول غير تقليدية للمياه، ومن هنا جاء مشروع الدلتا الجديدة كخيار استراتيجي لإعادة توزيع التنمية الزراعية.
المياه المعالجة… العمود الفقري للمشروع
قال سالم إن الركيزة الأساسية للمشروع هي إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها ثم ضخها إلى الأراضي الجديدة عبر شبكات نقل ومحطات رفع عملاقة.
وأوضح أن هذا التوجه أصبح عالميا، حيث تعتمد دول مثل إسبانيا وأستراليا وبعض ولايات الولايات المتحدة على المياه المعالجة في الزراعة، خاصة في المناطق الجافة.
لكنه أكد أن نجاح التجارب الدولية يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: جودة المعالجة، نوعية المحاصيل، الإدارة المستدامة للتربة والمياه
وأشار إلى أن الخطة المصرية تعتمد على معالجة متقدمة لتقليل الملوحة والملوثات، لكنه شدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في الاستمرارية على المدى الطويل.
هل المياه المعالجة حل مستدام فعلا؟
حذر الدكتور خالد فتحي سالم من أن المياه المعالجة رغم أهميتها قد تحمل تحديات، أبرزها مشكلة الملوحة.
وأوضح أن استمرار الاستخدام قد يؤدي إلى: تدهور بنية التربة، انخفاض الإنتاجية، تراكم الأملاح
وأضاف أن بعض العناصر الثقيلة أو الملوثات الدقيقة قد تشكل خطرا إذا لم تتم المراقبة المستمرة بكفاءة عالية.
وأكد أن نجاح المشروع يتطلب منظومة متابعة علمية تشمل: تحليل دوري للمياه، مراقبة خصوبة التربة، قياس الملوحة، برامج غسيل وصرف للتربة، إدخال محاصيل متحملة للإجهاد الملحي
وأشار إلى أن أي خلل في كفاءة التشغيل أو الصيانة قد ينعكس سريعا على الإنتاج الزراعي.

الطاقة… التكلفة الخفية للمشروع
قال الدكتور خالد فتحي سالم إن أحد أكبر التحديات غير الظاهرة يتمثل في الطاقة، موضحا أن المشروع يعتمد على نقل المياه لمسافات طويلة ورفعها عبر محطات ضخ متعددة.
وأضاف أن التقديرات تشير إلى احتياج المشروع لنحو 2000 ميجاوات، وهي طاقة تكفي لتشغيل مدن كاملة.
وتساءل عن قدرة المشروع على تحقيق جدوى اقتصادية في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والصيانة.
وأكد أن النجاح يعتمد على: كفاءة الإدارة، نوعية المحاصيل، التصنيع الزراعي، تقليل الفاقد، استخدام التكنولوجيا الحديثة.
القمح وبنجر السكر… هل هما الخيار الأفضل؟
قال “سالم” إن اختيار القمح يحمل بُعدا استراتيجيا مهما، نظرا لكون مصر من أكبر مستوردي القمح عالميا، مشيرا إلى أن زيادة الإنتاج المحلي تعزز الأمن الغذائي.
وأضاف أن بنجر السكر يُعد مناسبا للأراضي الجديدة نظرا لتحمله الملوحة.
لكنه تساءل عما إذا كان يجب إعادة صياغة الخريطة الزراعية بالكامل، داعيا إلى:
محاصيل أقل استهلاكا للمياه
أصناف مقاومة للجفاف والحرارة
محاصيل ذات قيمة تصديرية مرتفعة
التوسع في النباتات الزيتية والأعلاف
دمج الصناعات الغذائية
الأراضي الجديدة والدلتا القديمة
أشار “سالم” إلى أن أراضي الدلتا القديمة تُعد من أكثر الأراضي خصوبة في العالم، بينما تحتاج الأراضي الصحراوية الجديدة إلى سنوات طويلة لبناء خصوبتها.
وأوضح أن الإنتاجية في البداية ستكون أقل، لكنها تتحسن تدريجيا عبر: تحسين التربة، إضافة المادة العضوية، الري الحديث، الزراعة الرقمية
وأشار في المقابل إلى مزايا الأراضي الجديدة مثل: مساحات واسعة تسمح بالميكنة، غياب التفتت الحيازي، سهولة تطبيق الزراعة الذكية، إنشاء مجمعات صناعية زراعية.
الزراعة الذكية… كلمة السر
أكد أستاذ بيتكنولوجيا المحاصيل، أن مستقبل المشروع يعتمد على الزراعة الذكية، موضحا أنها تشمل: الري بالتنقيط والري المحوري، الاستشعار عن بعد، الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، التسميد الدقيق.
وأضاف أن كل قطرة ماء ستكون ذات قيمة استراتيجية، مشيرًا إلى إمكانية الاعتماد مستقبلا على الطاقة الشمسية لتقليل الضغط على الكهرباء.
البعد الاقتصادي والاجتماعي
قال إن المشروع لا يحمل بعدا زراعيا فقط، بل اقتصاديا واجتماعيا واسع التأثير.
وأوضح أن الدولة تراهن على: خلق فرص عمل، جذب استثمارات القطاع الخاص، تقليل الاستيراد الغذائي، تنمية المجتمعات العمرانية، دعم الصناعات الغذائية
وأكد أن نجاح المشروع يعتمد على: استيعاب السوق للإنتاج، كفاءة سلاسل التوريد، خفض تكلفة النقل، ربط الزراعة بالصناعة.
التغيرات المناخية… التهديد القادم
قال الدكتور خالد فتحي سالم إن التغير المناخي يمثل تهديدا مباشرا للمشروع، موضحا أنه يؤدي إلى زيادة الاحتياجات المائية، ارتفاع معدلات التبخر، زيادة إجهاد النباتات، تراجع بعض المحاصيل.
وأكد أن تطوير أصناف مقاومة للجفاف والحرارة أصبح ضرورة حتمية.

بين الطموح والواقع
اختتم “سالم” بأن مشروع الدلتا الجديدة يُعد من أكبر مشروعات التوسع الزراعي في تاريخ مصر الحديث، لكنه شدد على أن نجاحه لا يُقاس بحجم الإنفاق بل بالاستدامة.
وأوضح أن التحدي الحقيقي يتمثل في: الحفاظ على خصوبة التربة، إدارة المياه بكفاءة، تحقيق إنتاج تنافسي، خفض تكلفة التشغيل، بناء نموذج زراعي مستدام.
قال الدكتور خالد فتحي سالم في ختام تحليله إن مشروع الدلتا الجديدة ليس مجرد استصلاح أراضٍ، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة الموارد الطبيعية في عصر الندرة.
وأضاف أن السؤال الأهم ليس كم فدان سيتم زراعته، بل هل تستطيع مصر بناء منظومة زراعية حديثة قادرة على الاستمرار في عالم سريع التغير، مؤكدا أن الإجابة ستتضح خلال السنوات المقبلة مع تحول الخطط إلى إنتاج فعلي وتنمية مستدامة.

