نصف سكان العالم يتأثرون بسياسات حماية البيئة
حذرت دراسة جديدة من أن معركة إنقاذ الطبيعة لن تُحسم بالخرائط وحدها، بل ستنعكس مباشرة على حياة ملايين البشر الذين يعيشون داخل المناطق المرشحة للحماية أو بالقرب منها، وتشير الدراسة إلى أن القرارات التي ستتخذها الحكومات بشأن مواقع إنشاء مناطق الحفظ وآليات إدارتها قد تضع ما يقرب من نصف سكان العالم في تماس مباشر مع سياسات حماية الطبيعة.
التنوع البيولوجي

تخلص الدراسة المنشورة في دورية Nature Communications بقيادة باحثين من جامعة كامبريدج وبمشاركة فريق دولي من الباحثين والممارسين، إلى رسالة مركزية واضحة، إذ أن تحقيق هدف "30 في 30" قد يكون مكسباً كبيراً للطبيعة والناس معاً، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر أعباء اجتماعية إذا جرى تنفيذه من دون إشراك المجتمعات المحلية أو مراعاة احتياجاتها وحقوقها وسبل عيشها.
وظهر هدف "30 في 30" ضمن إطار يعرف باسم "كونمينج-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي" (KMGBF)، الذي يضع مساراً للوصول إلى عالم يعيش في تناغم أكبر مع الطبيعة بحلول عام 2050.
التزمت 196 دولة، بهذا الهدف خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في عام 2022. لكن الطريق إلى تحقيقه لا يزال طويلاً، فالعالم لم يحمِ بعد سوى أقل من 20% من اليابسة والبحار، ولم يتبق سوى 4 سنوات تقريباً قبل الموعد المحدد.
حذرت دراسة جديدة من أن إزالة غابات الأمازون تقلّص معدلات هطول الأمطار اللازمة للأنشطة الزراعية، في وقت قد تقترب فيه المنطقة من "نقطة تحول" خطيرة.
ظاهرياً، يبدو هدف تخصيص مساحات أكبر لحماية النظم البيئية والأنواع المهددة، وتعزيز قدرة الكوكب على مواجهة تغير المناخ بسيطاً، لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن السؤال الحقيقي ليس فقط "كم مساحة سنحمي؟" بل "أين ستكون هذه المساحات؟ ومن يعيش فيها أو بجوارها؟ وكيف ستدار؟".
المناظر الطبيعية المرشحة للحماية ليست فراغات بيئية خالية من البشر، وكثير منها يضم قرى ومزارع ومجتمعات محلية ومناطق يعتمد سكانها على الموارد الطبيعية في الغذاء والدخل والثقافة والهوية، لهذا فإن أي توسع سريع في المناطق المحمية سيؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حياة أعداد ضخمة من الناس.
مسارات مختلفة

حلل الباحثون 3 سيناريوهات نظرية يمكن من خلالها الوصول إلى هدف حماية 30% من أراضي وبحار العالم، يركز السيناريو الأول على حماية أكبر قدر ممكن من الأنواع والنظم البيئية المختلفة، أي اختيار المناطق التي تحقق أعلى مكسب للتنوع البيولوجي. في هذا السيناريو، وجدت الدراسة أن 46% من سكان العالم سيعيشون داخل منطقة حماية، أو على مسافة لا تزيد على 10 كيلومترات منها.
ويكشف هذا الرقم حجم التداخل بين حماية الطبيعة والحياة اليومية للبشر، فحين يقترب نصف سكان العالم تقريباً من مناطق الحماية، يصبح من المستحيل التعامل مع سياسات الحماية باعتبارها شأناً بيئياً منفصلاً عن الاقتصاد المحلي والعدالة الاجتماعية والخدمات الأساسية وحقوق استخدام الأرض.
أما السيناريو الثاني، فيركز على حماية مساحات واسعة من الموائل الطبيعية التي تقدم خدمات بيئية مهمة للبشرية كلها، مثل تدوير المغذيات وامتصاص الكربون، خصوصاً في مناطق كبرى مثل الأمازون والكونغو. وفي هذا المسار، سيكون عدد الأشخاص المتأثرين أقل بكثير من السيناريو الأول، لكن نسبة أكبر منهم ستكون من الفئات الفقيرة أو الهشة اجتماعياً.
ويركز السيناريو الثالث على المناطق ذات القيمة العالية للحفظ، التي تديرها أو تحكمها الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، وهذا المسار أيضاً قد يؤثر في عدد أقل من الناس مقارنة بسيناريو تعظيم التنوع البيولوجي، لكنه يسلط الضوء على مجتمعات غالباً ما تواجه أشكالاً متعددة من الضعف الاجتماعي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تلعب دوراً محورياً في حماية النظم البيئية.
وأكدت الدراسة أنه لا يوجد نموذج واحد يمكن اعتباره “الأفضل اجتماعياً” في جميع الحالات، إذ يختلف تأثير سياسات الحماية على السكان بشكل كبير تبعاً للأولويات المعتمدة في اختيار الأراضي أو البحار المراد حمايتها، وكذلك وفق أساليب الإدارة والحوكمة داخل هذه المناطق.

