معادلة لبنان المعقدة.. بلد يقاتل عدواً خارجياً ويصارع نفسه في صمت
في أرض الأرز التي طالما تغنّت بالوحدة الوطنية، يقف لبنان اليوم أمام معادلة تكاد تكون أعقد ما واجهه في تاريخه الحديث، بلد واحد يجمع أبناءه تحت سماء واحدة، وعدو واحد يُجمع عليه في الخطاب الرسمي والشعبي، ومع ذلك مسارات مختلفة تماماً لمواجهته، بل ولرؤية مستقبل البلد نفسه.
كل طرف لديه استراتيجية

من جنوب الليطاني الذي يحترق بين حين وآخر، إلى أروقة بعبدا والسراي الحكومي، مروراً بضاحية بيروت الجنوبية وأزقة طرابلس وجبل لبنان، تتجلى الصورة بوضوح مؤلم، الجميع يقول "لبنان أولاً"، والجميع يرفع شعار "العدو إسرائيل"، لكن كل طرف يحمل في جعبته استراتيجية مختلفة، بل متناقضة أحياناً، للقتال أو للاتفاق.
يلتقي تاريخ المقاومة بدماء الشهداء، كما يلتقي حلم الدولة القوية بكوابيس الحروب الإقليمية، يواجه لبنان سؤالاً وجودياً حاسماً: هل يستطيع أن يحوّل "العدو المشترك" إلى فرصة للوحدة الحقيقية، أم أن "الاختلاف في الطريق" سيظل يمزّق نسيج الوطن الواحد؟
هذا هو لبنان 2026... بلد يقاتل عدواً خارجياً بأسلحة متعددة، وبنفس الوقت يصارع نفسه في صمت.
إدارة الصراع
يواجه لبنان، هذا البلد الصغير جغرافياً والكبير تاريخياً وطائفياً، معادلة معقدة: بلد واحد يجمع أبناءه تحت راية السيادة الوطنية، وعدو واحد يُجمع عليه في الخطاب الرسمي والشعبي غالباً (إسرائيل)، لكنه يشهد مسارات مختلفة في كيفية مواجهة هذا العدو وإدارة الصراع معه، سواء على صعيد القتال المسلح أو الاتفاقات الدبلوماسية.
منذ اندلاع التصعيد الكبير في أكتوبر 2023، مروراً بحرب 2024 واتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وصولاً إلى الاشتباكات المتقطعة والتهدئات المؤقتة في 2026 (مثل الهدنة لـ10 أيام في أبريل وتمديدها)، برزت انقسامات داخلية عميقة حول استراتيجية المواجهة والسلام.
هذه الانقسامات ليست جديدة، لكنها تفاقمت مع ضعف حزب الله عسكرياً وسياسياً بعد خسائر 2024، وصعود قيادات دولة ترى في الجيش اللبناني الضامن الوحيد للسيادة.
يُنظر إلى إسرائيل في الخطاب اللبناني الرسمي والشعبي كـ"عدو"، ولا يعترف لبنان بالدولة الإسرائيلية. حزب الله، المدعوم إيرانياً، يرى نفسه "المقاومة" الوحيدة القادرة على ردع الاحتلال أو الاعتداءات، مستنداً إلى تحرير 2000 ودورها في 2006 أما الدولة اللبنانية والقوى الأخرى (مسيحية، سنية، درزية، وجزء من الشيعة)، فترى في استمرار السلاح غير الشرعي تهديداً للسيادة وسبباً في تدمير البلد.
أبرز الأحداث
اتفاق نوفمبر 2024: التزام لبنان بنشر الجيش جنوب الليطاني، ومنع حزب الله من العمليات ضد إسرائيل، إسرائيل انسحبت جزئياً لكنها استمرت في ضربات جوية.
2025-2026: محاولات نزع سلاح حزب الله تدريجياً تحت سيطرة الجيش، مع انتخاب الرئيس جوزيف عون (قائد الجيش سابقاً) في يناير 2025، الذي يدفع نحو احتكار السلاح بيد الدولة.
مارس-أبريل 2026: تصعيد جديد مرتبط بالحرب مع إيران، ثم هدنة مؤقتة (10 أيام + تمديد) بوساطة أمريكية.
المسارات المختلفة: القتال مقابل الاتفاق
مسار حزب الله (المقاومة المسلحة):
يرفض نعيم قاسم (الأمين العام) التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبراً إياه "إثماً" أو "عبثياً"، ويؤكد أن "اليد على الزناد" لمواجهة الخروقات. يرى القتال دفاعاً وجودياً عن لبنان كله، ويربط نزع السلاح بانسحاب إسرائيل الكامل ووقف الاعتداءات.
يحظى بدعم أساسي في البيئة الشيعية، خاصة الجنوب والضاحية، لكنه يواجه انتقادات داخلية متزايدة بسبب التكلفة الباهظة (دمار، نزوح، خسائر بشرية).
مسار الدولة والرئاسة (الدبلوماسية والسيادة):
الرئيس جوزيف عون والحكومة يدفعان نحو مفاوضات (مباشرة أو غير مباشرة) لترسيم الحدود واتفاق سلام طويل الأمد، مع التركيز على احتكار الجيش للسلاح. يرون في استمرار التوتر عائقاً أمام الإعمار والاستقرار الاقتصادي.
يدعمون تنفيذ القرار 1701، ويرفضون جر لبنان إلى حروب إقليمية.
انقسامات طائفية وسياسية
الشيعة: غالبيتهم مع "الثنائي الشيعي" (حزب الله + أمل)، لكنهم يعانون أكثر من الدمار.
المسيحيون والسنة والدروز: يميلون بقوة إلى نزع سلاح حزب الله وتعزيز دور الجيش، مع مخاوف من "الدويلة" داخل الدولة. استطلاعات مثل غالوب 2025 تظهر أغلبية لبنانية (خاصة غير الشيعة) تدعم احتكار السلاح.
برزت دعوات للفيدرالية أو حتى التقسيم في بعض الأوساط كرد فعل على "احتكار" حزب الله لقرار الحرب والسلم.
يواجه لبنان العديد من التحديات والمخاطر، فالخروقات الإسرائيلية حيث يوثق لبنان آلاف الانتهاكات، مما يعطي حزب الله حجة للبقاء مسلحاً، وأيضا خطر فتنة أو حرب أهلية إذا حاولت الدولة نزع السلاح بالقوة.
وأيضا بالنسبة للبعد الإقليمي فارتباط حزب الله بإيران يجعل لبنان ساحة للصراع الأكبر، الدمار يحتاج مليارات، والاستقرار شرط أساسي للإعمار والمساعدات.
استراتيجية وطنية موحدة
لبنان يملك اليوم فرصة تاريخية نادرة: ضعف حزب الله النسبي، قيادة رئاسية عسكرية، ودعم دولي (أمريكي-فرنسي-سعودي) لتعزيز الدولة. لكن تحقيق "بلد واحد" يتطلب توافقاً داخلياً يجمع بين "حق المقاومة" (في إطار الدولة) وبين "السيادة الكاملة" التي تمنع جر البلد إلى مغامرات.
الطريق ليس سهلاً، والانقسامات عميقة، لكن الواقع يفرض نفسه: لا يمكن للبنان أن يبقى رهينة سلاح خارج الدولة، ولا يمكنه مواجهة عدوه دون وحدة وطنية حقيقية. المستقبل يعتمد على قدرة اللبنانيين على صياغة "مسار ثالث" يحفظ الكرامة والسيادة دون التضحية بالبلد