أسرار الوادي المقدس.. تعرف على الأماكن المقدسة في سيناء
سيناء ليست مجرد صحراء عابرة، بل هي أرض الأنبياء والرسل، ومهبط الكتب السماوية، وميدان للملاحم الكبرى في آخر الزمان، من الوادي المقدس طوى حيث نودي موسى، إلى طور سيناء المبارك الذي أقسم الله به في كتابه، إلى أرض شجرة الزيتون التي تنبت بالدهن والصبغ، إلى وادي فيران الذي عاش فيه الخضر وإيليا، تظل سيناء نبراسًا روحانيًا يجمع الأديان ويذكر المسلمين بوحدة الرسالة الإلهية.
الأماكن المقدسة في سيناء
سيناء، تلك البقعة الفريدة التي جمعت بين جغرافية الجسر البري وروحانية مهبط الوحي، حظيت باهتمام المفسرين والمؤرخين الجغرافيين المسلمين عبر العصور؛ فقد وردت أسماؤها وأوصافها في خمس سور قرآنية على الأقل: سورة طه، سورة النازعات، سورة التين، سورة المؤمنون، وسورة البقرة.
كما أن الراجح عند المفسرين في معنى: الوادي المقدس طوى، أنه اسم علم لوادٍ مقدس في سيناء. يقول الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى {إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات: ١٦] : "طوى: اسم الوادي، وهو وادٍ بين مدين ومصر، قيل: هو وادٍ مقدس مرتين: مرة إذ جعله الله مطهرًا، ومرة إذ كلم عليه موسى".
كما أن وصف القرآن هذا الوادي بوصفين مترادفين: "المقدس" و"طوى"، مما يدل على أن للوادي حرمة ذاتية اكتسبها بتكليف الله له.
وقد حدد الباحثون المعاصرون موقع هذا الوادي في جنوب غرب سيناء، تحديدًا في المنطقة الواقعة بين جبل موسى ووادي الراحة، وهو ما يتوافق مع الرواية التوراتية (سفر الخروج، الإصحاح ٣) التي تذكر أن موسى رعى غنم شعيب في أرض مدين ثم توجه إلى "جبل الله حوريب" حيث تجلت النار في العليقة.
وفي النصوص المقدسة عدة تسميات للجبل الذي كلم الله عليه موسى، منها "حوريب" (في التوراة) و"طور سيناء" و"طور سينين" (في القرآن)، ويرى المحققون أن "طور سيناء" هو الجبل نفسه، أما "طور سينين" فهو اسم ثان له، أو اسم للمنطقة المحيطة به؛ فقد قال الدكتور محمد سيد طنطاوي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: {وَطُورِ سِينِينَ} [التين: ٢] : " اتفق المفسرون على أن المراد بطور سينين: الجبل الذي كلم الله- تعالى- عليه موسى- عليه السلام- وسينين، وسيناء، وسينا، اسم للبقعة التي فيها هذا الجبل، بإضافة {وَطُورِ} إلى ما بعده، من إضافة الموصوف إلى الصفة.
ومن الناحية الجغرافية، يقع جبل موسى (طور سيناء) في جنوب سيناء على ارتفاع ٢٢٨٥ مترًا عن سطح البحر، ويحيط به وادي الراحة من الغرب ووادي السباعية من الشرق. وقد أكد الرحالة المسلمون عبر العصور مثل المقدسي والبكري والإدريسي على مكانته المقدسة، وذكروا أن عليه بناء كنيسة (دير سانت كاترين حالياً) ومسجدًا صغيرًا؛ ومن المهم التنبيه إلى أن المسلم لا يعتقد بقداسة الحجر نفسه، بل يتبرك بالمكان الذي تجلت فيه الآيات الإلهية.
أرض شجرة الزيتون في طور سيناء
وتحمل الآية الكريمة: {وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ} إعجازًا نباتيًا وجغرافيًا، فشجرة الزيتون التي ذكرها الله تخرج من "طور سيناء"، وقد حدد الجغرافيون المسلمون هذه المنطقة بما يعرف اليوم بـ "رأس سدر" و"طور سينيت" (وهي تحريف لـ "طور سيناء" مع إضافة التاء المربوطة للتعريب).
يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: "طور سيناء: جبل بين مصر والحجاز، ينبت الزيتون والأرز"،" وبالقرب من مصر عند موضع يسمى مدين جبل يسمى الطور، ولا يخلو من الصالحين، وحجارته كيف كسرت خرج منها صورة شجرة العليق، وعليه كان الخطاب الثاني لموسى، عليه السلام، عند خروجه من مصر ببني إسرائيل، وبلسان النبط كل جبل يقال له طور فإذا كان عليه نبت وشجر قيل طور سيناء. ....جبل عند كورة تشتمل على عدة قرى تعرف بهذا الاسم بأرض مصر القبلية وبالقرب منها جبل فاران" .
ويضيف الباحثين أن شجر الزيتون في هذه المنطقة يتميز بكونه معمرًا (يعيش لمئات السنين)، وثمره ينتج زيتًا عالي الجودة يُستخدم للأكل وللصباغة (الإضاءة)، وهو ما يتوافق تمامًا مع وصف الآية {تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ}.
أما وادي فيران هو أكبر أودية سيناء وأكثرها خصوبة، يمتد من جنوب سيناء باتجاه الشمال الغربي. وقد ذكر المؤرخون المسلمون أن نبي الله الخضر وإيليا - عليهما السلام - كان لهما ارتباط بهذا الوادي.

