أزمة المهاجرين غير النظاميين تعيد رسم التوتر بين المكسيك وواشنطن
في تطور سياسي لافت وغير معتاد، شهدت العلاقات بين المكسيك والولايات المتحدة حالة من التوتر المتصاعد، بعدما اتخذت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم لهجة أكثر حدة تجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة في ما يتعلق بملفي الهجرة والسياسات الاقتصادية، إلى جانب الموقف الأمريكي من كوبا.
مجحفة في حق بلادها
وبحسب ما أوردته مصادر مطلعة، فإن هذا التحول في الخطاب المكسيكي يعكس انتقال واضح من سياسة الحذر الدبلوماسي إلى نوع من التصعيد المحسوب، بعد سلسلة من الانتقادات المباشرة التي وجهتها شينباوم للسياسات الأمريكية، والتي اعتبرتها مجحفة في حق بلادها وفي حق شعوب المنطقة، وفقًا لوكالات الأنباء.
ويرى عدد من المراقبين أن هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل جاء مدفوع بعوامل داخلية ضاغطة، في مقدمتها تسجيل وفاة 15 مواطن مكسيكي داخل مراكز احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة منذ بداية عام 2026، وهو ما أثار موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرسمية والشعبية في المكسيك.
كما تشير بيانات سابقة إلى تسجيل 8 حالات وفاة إضافية خلال عام 2025، ما جعل الملف يتحول إلى قضية رأي عام داخل البلاد.

التوجه إلى مراكز الاحتجاز
وفي هذا السياق، نقلت مصادر إعلامية مكسيكية أن الرئيسة شينباوم لم تكتفِ بإدانة الأوضاع داخل مراكز الاحتجاز، بل طالبت بفتح تحقيقات عاجلة وشفافة حول ظروف الوفاة، مع توجيهها تعليمات مباشرة للدبلوماسيين والقناصل المكسيكيين بضرورة التوجه إلى مراكز الاحتجاز، ومتابعة أوضاع المواطنين المكسيكيين عن قرب، وتقديم الدعم اللازم لهم.
ولم يقتصر التصعيد على ملف الهجرة فقط، بل امتد ليشمل السياسات الاقتصادية، حيث عبّرت شينباوم عن رفضها للضغوط الاقتصادية والرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن، والتي ترى أنها ساهمت في زيادة الأعباء الاقتصادية على المكسيك وأثرت بشكل مباشر على قيمة العملة المحلية وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. وفي المقابل، تلوّح الإدارة الأمريكية بإمكانية فرض مزيد من الرسوم على السلع المكسيكية، ما يزيد من حدة التوتر بين الجانبين.
السياسات الأمريكية تجاه كوبا
كما أثارت السياسات الأمريكية تجاه كوبا استياء إضافيًا لدى الحكومة المكسيكية، حيث وصفت شينباوم الحصار الاقتصادي المفروض على هافانا بأنه "غير عادل" و"غير قانوني"، مؤكدة رفض بلادها لهذه الإجراءات، خاصة في ظل العلاقات والشراكات التي تربط المكسيك بكوبا على مستويات متعددة.
وتشير تحليلات إعلامية مكسيكية إلى أن الرئيسة شينباوم بدأت مؤخرًا في الخروج تدريجي عن النمط الدبلوماسي التقليدي الذي اتسمت به منذ توليها السلطة في عام 2024، حيث كانت تعتمد في السابق خطاب أكثر توازن وحذر في التعامل مع إدارة ترامب، بل وذهبت في بعض المراحل إلى الاستجابة لمطالب أمريكية تتعلق بتشديد الإجراءات ضد عصابات المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
تحول واضح في الموقف المكسيكي
إلا أن التطورات الأخيرة، خصوصا تزايد أعداد الوفيات داخل مراكز الاحتجاز، إلى جانب ما وصفته مصادر مكسيكية بـ"صمت واشنطن" تجاه المطالب الرسمية بفتح تحقيق، دفعت باتجاه تحول واضح في الموقف المكسيكي، بات يوصف بأنه "تمرد دبلوماسي محسوب" على السياسة الأمريكية.

النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية
في المقابل، يرى عدد من الخبراء في الشأن اللاتيني أن هذا التصعيد لا يقتصر على المكسيك وحدها، بل يعكس حالة أوسع من التململ الإقليمي والدولي تجاه سياسات الرئيس ترامب، والتي يعتبرها البعض قائمة على نهج الهيمنة وإعادة تشكيل النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية باعتبارها منطقة أمن قومي حيوية لواشنطن.
وفي المحصلة، يرى محللون أن التحول في الخطاب المكسيكي لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع، الذي يشهد إعادة تشكيل للعلاقات والتحالفات، في ظل تزايد التوتر بين واشنطن وعدد من العواصم حول العالم، وهو ما يجعل من الموقف المكسيكي الحالي مؤشرا مهما على مرحلة جديدة قد تتسم بمزيد من التباعد بين الجانبين خلال الفترة المقبلة.

