«نصر معلن على الورق».. ما الأدوات الضاغطة بيد ترامب في مواجهة طهران؟|تقرير
في تقرير لافت لصحيفة "نيويورك تايمز"، برزت فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يقدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ما يسميه "نصرا مؤزرا" في المواجهة مع إيران، وبين الواقع الجيوسياسي المعقد الذي يفرض نفسه على الأرض مع دخول الأزمة مرحلة أكثر تشابكًا في ربيع 2026.
ترامب يسعى لتقديم المواجهة مع طهران باعتبارها ملفا تم "حسمه" عسكريا وسياسيا، مصورا النتائج على أنها نجاح أمريكي كبير أنهى ملامح التهديد الإيراني، غير أن هذا الطرح يصطدم برؤية مغايرة تماما لدى محللين ومراقبين يرون أن الصراع لم يغلق بعد، بل دخل مرحلة إعادة تشكيل أكثر تعقيدًا بدلًا من الحسم النهائي.

الحرس الثوري.. مركز الثقل الذي لم يتراجع
في الوقت الذي وصف فيه ترامب النظام الإيراني الجديد بأنه "عقلاني تماما" خلال مقابلة إعلامية، تأتي قراءته هذه في سياق محاولات تسويق فكرة أن التغيير في طهران قد فتح الباب أمام واقع سياسي جديد يمكن التعامل معه باعتباره "إنجازا استراتيجيا".
لكن على الأرض، تشير تحليلات متعددة إلى أن الحرب الأخيرة لم تضعف البنية الصلبة للنظام بقدر ما عززت من حضور التيار المتشدد، وعلى رأسه الحرس الثوري الذي يواصل إحكام قبضته على مفاصل الدولة ومراكز القرار الحساسة.
ويرى خبراء في الشأن الإيراني، من بينهم بهنام بن طالبلو، أن اختزال المشهد في "تحسن سياسي" هو قراءة غير دقيقة، لأن ما حدث لا يتجاوز تبدل بعض الوجوه القيادية، بينما بقيت البنية الأيديولوجية والأمنية والعسكرية على حالها تقريبًا، وهو ما يجعل النظام أكثر صلابة لا أقل.
وفي السياق ذاته، لا تزال التوترات في مضيق هرمز تلقي بظلالها على حركة التجارة العالمية، حيث لم تعد الملاحة إلى وضعها الطبيعي، في ظل استمرار سياسة الضغط والردع المتبادل بين الطرفين، دون أي مؤشرات على مرونة إيرانية حقيقية تجاه الملفات الخلافية، سواء النووي أو النفوذ الإقليمي.

رواية "النصر الكامل" في مواجهة الواقع
في المقابل، يواصل ترامب التأكيد على أن الولايات المتحدة حققت "نصر واضح"، مشيرا في أكثر من تصريح إلى أن القدرات البحرية والجوية الإيرانية تعرضت لتدمير واسع، وأن واشنطن تمتلك القدرة على إنهاء التهديد الإيراني بالكامل إذا لزم الأمر.
إلا أن المعطيات الميدانية، وفق مراقبين، لا تعكس هذا الخطاب الحاسم، فخلال فترة القصف المكثف التي امتدت لأسابيع، لم تظهر مؤشرات على انهيار داخلي في طهران أو تراجع في موقفها السياسي، بل على العكس، يرى البعض أن النظام استفاد من حالة التصعيد لتعزيز قبضته الداخلية وتبرير سياساته الصارمة.
كما أن تداعيات الأزمة امتدت إلى الأسواق العالمية، حيث ساهمت التوترات في ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة حالة عدم الاستقرار في سلاسل الإمداد، وهو ما منح إيران ورقة ضغط غير مباشرة على الاقتصاد الدولي.

تآكل أدوات الضغط الأمريكية
مع استمرار المواجهة، يجد البيت الأبيض نفسه أمام سؤال جوهري: هل ما تزال أدوات الضغط التقليدية فعالة كما كانت في السابق؟ الإجابة، وفق عدد من المحللين، تميل إلى التشكيك. فأسلوب التهديد والعقوبات والضغط العسكري المحدود لم يعد يحقق النتائج ذاتها أمام خصم يمتلك قدرة عالية على التكيف، ويجيد استخدام نقاط الضعف الإقليمية والدولية لصالحه.
وترى الباحثة منى يعقوبيان أن التعقيد الإيراني يتجاوز منطق "الكاريزما السياسية" أو القرارات السريعة، مشيرة إلى أن طبيعة النظام في طهران تجعل من الصعب إخضاعه عبر أدوات ضغط تقليدية أو تفاهمات سطحية.
وفي هذا السياق، تراهن الإدارة الأمريكية على مقاربة جديدة يقوم على ما يُعرف بـ"الصفقة الكبرى"، والتي يقودها نائب الرئيس جي دي فانس، بهدف دفع إيران نحو سلوك اقتصادي وسياسي أقرب إلى "الدولة الطبيعية" مقابل دمجها تدريجيا في النظام الاقتصادي العالمي.
لكن هذه الرؤية اصطدمت بواقع تفاوضي صعب، حيث لم تفض جولات الحوار الأخيرة إلى نتائج ملموسة، في ظل تمسك طهران بشروط تعتبرها واشنطن غير قابلة للتطبيق.

الانتخابات والضغط المتبادل
في المقابل، تبدو طهران واعية جيدا لحسابات الداخل الأمريكي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تراهن على حساسية الملف الإيراني داخل الأوساط السياسية الأمريكية، وعلى مخاوف ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الحرب على الرأي العام.
ويرى مسؤولون سابقون في ملف التفاوض أن النظام الإيراني لا يتحرك بمنطق الاستسلام أو التنازل الجذري، بل بمنطق "الصمود طويل الأمد"، حتى في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وهو ما يقلل من فرص الوصول إلى اتفاق شامل.
وبناء على ذلك، يرجح مراقبون أن أي تسوية مستقبلية ستكون جزئية ومحدودة، أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها جذريا، في ظل تباعد المواقف بشأن الملفات الأساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.

رهان طويل المدى
إلى جانب الخيارات العسكرية، يتجه ترامب بشكل متزايد نحو توظيف "الحرب الاقتصادية" كأداة رئيسية للضغط على إيران، عبر تشديد القيود على صادرات النفط والموانئ والسفن، في محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني ودفعه نحو تغيير سلوكه السياسي.
لكن هذا الرهان، رغم وجاهته النظرية في ظل اقتصاد يعاني أصلا من العقوبات، يظل محل جدل واسع، إذ تشير تجارب دولية سابقة إلى أن الضغط الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج سياسية مباشرة أو مضمونة.
وتحذر تقارير من أن افتراض استجابة الخصوم وفق الحسابات الأمريكية فقط هو افتراض غير دقيق، استنادا إلى تجارب في دول مثل العراق وأفغانستان وليبيا وروسيا، حيث لم تتطابق النتائج مع التوقعات الغربية.
كما أن إيران، بحسب تقديرات خبراء، أظهرت في أكثر من محطة استعدادًا لتحمل كلفة اقتصادية وإنسانية مرتفعة، ما يجعل فكرة انهيار سريع تحت ضغط العقوبات أمرًا غير محسوم.
مضيق هرمز.. ورقة التوازن الأخطر
يبقى مضيق هرمز أحد أهم عناصر الضغط المتبادل، إذ أدى التصعيد في المنطقة إلى اضطراب كبير في حركة الطاقة العالمية، وهو ما منح إيران قدرة على التأثير في الأسواق الدولية رغم العقوبات المفروضة عليها.
هذا العامل تحديدا يضيف طبقة جديدة من التعقيد للأزمة، حيث لم يعد الضغط أحادي الاتجاه، بل باتت له ارتدادات مباشرة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه.

النصر الحاسم
في النهاية، تبدو صورة "النصر الحاسم" التي يسوقها ترامب بعيدة عن الإجماع التحليلي، في ظل واقع يؤكد أن المواجهة مع إيران لم تحسم بعد، وأن أدوات الضغط الأمريكية تواجه اختبارًا صعبًا أمام خصم يجيد التكيف والمناورة.
وبين طموحات الحسم السريع وتعقيدات الواقع الإقليمي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع واشنطن تحويل الضغط إلى نتائج سياسية حقيقية، أم أن الأزمة تتجه نحو مزيد من الاستنزاف المتبادل دون حسم واضح في الأفق القريب؟.

