رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«هرمز» تحت الحصار.. كيف يتحول شريان إيران البحري لنقطة ضغط داخلي؟|تقرير

سفينة في مضيق هرمز
سفينة في مضيق هرمز في الأول من مارس

لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة استراتيجية تستخدمها إيران كورقة ضغط في مواجهة خصومها، بل بات اليوم، في ظل تشديد القيود المفروضة على حركة الملاحة، يشكل نقطة اختناق حقيقية تمتد آثارها إلى الداخل الإيراني نفسه. فالتطورات المتسارعة تشير إلى تحول جذري في طبيعة الدور الذي يلعبه هذا الممر الحيوي، من أداة تهديد جيوسياسي إلى عامل ضغط اقتصادي يعيد تشكيل معادلات الداخل الإيراني.

اضطراب حركة السفن

وتوضح المعطيات الأخيرة أن الوصول إلى الموانئ الإيرانية لم يعد سهلا كما كان في السابق، إذ أدت القيود المرتبطة بالملاحة، وفق تقارير "رويترز"، إلى اضطراب حركة السفن وإجبار عدد منها على تغيير مساراته، ما يعكس تراجعاً ملموساً في مرونة الحركة البحرية المرتبطة بإيران.

وتزداد خطورة هذا التحول بالنظر إلى الأهمية العالمية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط الدولية، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات مزدوجة، تطال الاقتصاد العالمي من جهة، وتضغط على الاقتصاد الإيراني من جهة أخرى، الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على هذا الشريان البحري.

سفن وقارب في مضيق هرمز، قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية
سفن وقارب في مضيق هرمز، قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية

منفذ اقتصادي مستقر وموثوق

وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم تعد إيران تواجه مجرد تهديد بإغلاق المضيق أو تعطيله، بل باتت عمليا أمام تحد أكثر تعقيدا يتمثل في فقدان القدرة على استخدامه كمنفذ اقتصادي مستقر وموثوق.

أمام هذا التحول، بدأت طهران تبحث عن بدائل اضطرارية، حيث تشير تحليلات "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" إلى ما يعرف بـ"شبكات الالتفاف"، وهي منظومة من المسارات البديلة التي يتم عبرها تجاوز القيود المفروضة على الحركة التجارية.

وتشمل هذه الآليات تفريغ البضائع في موانئ خارجية، ثم نقلها برا إلى الداخل الإيراني عبر الشاحنات أو السكك الحديدية، وفق ما نقلته وكالة "رويترز". وبذلك يتحول مسار التجارة من خط مباشر يعتمد على النقل البحري إلى سلسلة معقدة من العمليات تبدأ من البحر، مرورا بموانئ وسيطة، ثم النقل البري، وصولا إلى التوزيع الداخلي.

رئيس وزراء باكستان يلتقي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس
رئيس وزراء باكستان يلتقي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس

الاقتصاد أكثر هشاشة

ورغم أن هذا النموذج يوفر مخرج مؤقت، إلا أنه يفرض أعباء إضافية واضحة، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل وزيادة زمن الشحن، ما يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة وأقل كفاءة على المدى الطويل.

وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الأمريكي أن قواته تواصل مراقبة وتسيير دوريات في المياه الإقليمية، دعماً لما وصفه بالحصار الأمريكي المفروض على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها. وأكدت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عبر منصة "إكس" أن هذه الإجراءات تأتي في إطار متابعة دقيقة لحركة الملاحة المرتبطة بإيران.

ويأتي ذلك بالتزامن مع بدء الحصار البحري الأمريكي على إيران يوم الاثنين الماضي، مع دخول الحرب الإيرانية أسبوعها السابع، في تطور يعكس تصعيداً إضافياً في المشهد البحري الإقليمي.

رئيس الوزراء الباكستاني والوفد الإيراني
رئيس الوزراء الباكستاني والوفد الإيراني

احتمال التوصل إلى تهدئة

وفي خضم هذا التوتر، تزايدت مؤشرات التفاؤل بشأن احتمال التوصل إلى تهدئة، مع وجود وساطة باكستانية نشطة في طهران، إلى جانب حديث الإدارة الأمريكية عن إمكانية الوصول إلى اتفاق قد يفتح مجدداً مضيق هرمز الحيوي، بما يعيد جزءاً من الانسيابية إلى حركة التجارة في المنطقة.

لكن الصورة الاقتصادية لا تتوقف عند القيود البحرية فقط، إذ تشير المعطيات إلى تحول أعمق داخل بنية الاقتصاد الإيراني نفسه، حيث توسع الاعتماد على ما يعرف بـ"الأسطول الشبح"، وهو عبارة عن ناقلات نفط تعمل خارج أنظمة التتبع التقليدية وتستخدم مسارات غير معلنة لنقل الخام الإيراني.

التهريب والتعاملات غير الرسمية

وبحسب المجلس الأطلسي، فإن الضغوط المتزايدة على مضيق هرمز لا تؤثر على إيران وحدها، بل تدفع المنطقة بأكملها نحو البحث عن بدائل، ما يعكس تراجع تدريجي في مركزية البحر كمسار رئيسي للتجارة العالمية. 

إلا أن هذا التحول يبدو أكثر حدة في الحالة الإيرانية، حيث يتجه جزء من النشاط الاقتصادي نحو اقتصاد ظل يعتمد على التهريب والتعاملات غير الرسمية ومسارات غير مستقرة.

نائب الرئيس الأمريكي يتحدث لقائد جيش باكستان بإسلام آباد
نائب الرئيس الأمريكي يتحدث لقائد جيش باكستان بإسلام آباد

 ارتفاع كبير في التكاليف التشغيلية

ويرى بعض المحلليين أن ما يحدث لا يمكن اعتباره تحول اقتصادي مخطط أو خيار استراتيجي مدروس، بل هو انتقال قسري فرضته الضغوط الخارجية. ويؤكد أن إيران لا تعيد بناء نموذجها الاقتصادي بقدر ما تحاول تفادي انهياره.

ويضيف أن الاعتماد المتزايد على المسارات البرية أو غير المباشرة يؤدي إلى ارتفاع كبير في التكاليف التشغيلية، ويدفع نحو معدلات تضخم أعلى وتراجع في القوة الشرائية، إضافة إلى توسع الاعتماد على شبكات غير رسمية قد تقلل من قدرة الدولة على التحكم في مفاصل الاقتصاد.

ويخلص إلى أن هذا النموذج قد يمنح إيران قدرة على الصمود في المدى القصير، لكنه على المدى البعيد قد يقود إلى اقتصاد أكثر هشاشة وتجزؤا، حيث يصبح الاستمرار مرتبط بآليات الالتفاف بدل الإنتاج الفعلي.

دولة تبحث عن منافذ بديلة

وبذلك، تبدو إيران وكأنها تنتقل من موقع الدولة التي تمتلك ورقة ضغط بحرية مؤثرة عبر مضيق هرمز، إلى دولة تبحث عن منافذ بديلة في بيئة أكثر تقييدا، حيث تتقلص الخيارات وتتصاعد التكاليف الاقتصادية والسياسية للبقاء.

ناقلة غاز طبيعي مسال يابانية تعبر مضيق هرمز
ناقلة غاز طبيعي مسال يابانية تعبر مضيق هرمز

إمكانية العودة إلى باكستان

وفي سياق متصل، يواصل المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون دراسة إمكانية العودة إلى باكستان لعقد جولات جديدة من المحادثات خلال أيام قليلة، بعد انتهاء مفاوضات سابقة دون اتفاق. 

كما وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة، إلى طهران في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع عودة المواجهة. وتشير التقارير إلى أن المحادثات التي جرت مطلع الأسبوع انتهت دون اتفاق شامل لوقف الحرب التي بدأت بهجمات أمريكية مشتركة مع إسرائيل في 28 فبراير، وردت عليها إيران بتصعيد عسكري شمل جيرانها في الخليج، إلى جانب إعادة إشعال التوتر في ملفات إقليمية أخرى، من بينها الصراع بين إسرائيل وحزب الله.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء