من الصحراء إلى الحضر.. أثر البيئة في تكوين الأديب
تؤثر البيئة في إدراك الإنسان وتكوينه، فمن يعيش في الصحراء يختلف تمامًا عمن يحيا بالحضر، ولذلك فمن الضروري على الناقد أن ينظر إلى نشأة الكاتب أو الروائي حتى يستطيع أن يحكم عليه ويعرف أسباب المؤثرات الفعالة، وذلك لأن الإنسان يستمد تصوراته وتتربى إدراكاته حسب ما يراه ويحيط به من مشاهدات وعلى قدر بلوغ الإنسان من نفسه تكون درجة الإدراك.
ويأخذ الإنسان تصوراته وتشبيهاته من البيئة التي ينشأ فيها، ويأخذ منها أفكاره وتصوراته، وذلك نتيجة التأثر بالبيئة وباختلافها يختلف الناس في عقولهم وإدراكاتهم وتربيتهم.
تأثير البيئة على الأدب والبلاغة
والإنسان هو ثمرة البيئة الطبيعية والاجتماعية، والأدب والبلاغة من شعر ونثر ومن كتابات اجتماعية وفلسفية وغيرها نتيجة تربية العقول والنفوس، فالطفل لا يدرك إلا ما يحيط به ويقع نظره عليه، وأيضًا فالبيئة الاجتماعية هي التي تدفع الإنسان إلى حب الاستطلاع وتولد فه البحث في معرفة الجمال وفهمه.
ولم يخرج العرب عن الدائرة التي وضعتهم فيها طبيعة بلادهم، ولم يروا غير الصحراء الواسعة وما توحيه إلى النفوس من العظمة والهيبة والغموض الذي تضل فيه الظنون، كذلك تكونت خيالات العربي على ما يرى وما يحيط به من حيوان ونبات، ولم يكن لديه من الفرصة ما يمكنه من معرفة أحوال الأمم الأخرى، وكل ذلك هو ما أثر البيئة الطبيعة والاجتماعية عند العرب، وهي التي تتجلى في بلاغاتهم وأشعارهم وامتلأت خيالاتهم بما كان يحيط بهم.
الافتتان والحقائق العارية
ولم تتعد أفكارهم البيئة التي كانوا يعيشون فيها، فكان إذا وصف أو شبه أحدهم شيئًا أخذ خياله وفكره مما يحيط به، لأنه كان يميل في الافتنان، وكانت السذاجة تظهر في كلامهم وشعرهم وخيالهم ومع أن هذه السذاجة البدوية هي عيب الشعر العربي؛ لأن الحقائق «العريانة» ليست مقبولة لدى كل نفس خصوصًا في الشعر والبلاغة، إلا أنهم كانوا يعمدون في ذلك إلى إظهار المعاني المقصودة، ولا بد أن يعتري المتفنن من الحيرة والشك في الوصول إلى أغراضه.
ورغم أن هذا هو عيب الشعر العربي البدوي، إلا أن كل ما فيه من الجمال؛ نتيجة أن السذاجة الفطرية أو الكلام المطبوع الذي تظهر فيه طبيعة الإنسان كما هي، له نوع خاص من القبول.
وانعكست روح الشعر العربي من البيئة البدوية الساذجة التي كان يعيشها الروائي أو الشاعر العربي، وهي أيضًا التي اكسبته هذه العذوبة والجمال اللذين لا يوجدان دائمًا في الشعر الحضري، لأن إطلاق العربي لعنانه هو السر في حياة هذه البلاغة ومظهر جمالها.



