اضطرابات الإمداد ورسوم الشحن تدفع قطاع المقاولات لتأجيل التسليم|ملف خاص
في وقت تتشابك فيه تداعيات الاضطرابات العالمية مع ضغوط الاقتصاد المحلي، يقف قطاع المقاولات أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها تحديات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن ومواد البناء مع ما يُعرف بـ «رسوم الحرب» وتذبذب أسعار الصرف، لتفرض واقعًا جديدًا على شركات التنفيذ في مصر.
ومع تصاعد هذه الضغوط، تتغير معادلات العمل داخل القطاع، حيث تتراجع وتيرة التنفيذ وتزداد احتمالات تأجيل التسليم، بينما تدخل الشركات مرحلة إعادة حسابات دقيقة للتكلفة والتمويل، في ظل بيئة تتسم بعدم اليقين وغياب رؤية واضحة لمدى استمرار الأزمة.
زيادة أسعار مدخلات الإنتاج
قال شمس الدين يوسف، عضو مجلس إدارة اتحاد مقاولي التشييد والبناء والعضو المنتدب لشركة الشمس للمقاولات، إن قطاع المقاولات بدأ يشهد ارتفاعًا غير مسبوق في تكلفة التنفيذ نتيجة زيادة أسعار مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الحديد والأسمنت ومشتقات البترول ومواد العزل، وهو ما أخلّ بالتوازن المالي لعقود التنفيذ.
وأوضح يوسف، في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك» أن ارتفاع أسعار الوقود انعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل، بالتوازي مع زيادة تكاليف المعيشة، ما دفع الشركات إلى رفع أجور العمالة، الأمر الذي أدى إلى تآكل هوامش الربحية بشكل واضح لدى عدد كبير من الشركات العاملة في القطاع.
وأشار إلى أن بعض الشركات اضطرت بالفعل إلى تقليص أعداد العمالة نتيجة الضغوط المالية المتصاعدة، محذرًا من أن استمرار هذا الاتجاه قد يترتب عليه تداعيات اجتماعية، نظرًا لاعتماد شريحة كبيرة من القوى العاملة على قطاع المقاولات كمصدر رئيسي للدخل.
وأكد شمس الدين يوسف، أن القطاع بدأ يشهد مؤشرات تعثر في التنفيذ لدى بعض الشركات التي لم تعد قادرة على استكمال مشروعاتها، ما دفع البنوك إلى اتخاذ موقف أكثر تحفظًا في تمويل أنشطة المقاولات، وهو ما زاد من حدة الضغوط على السوق.
صرف مستحقات شركات المقاولات
ولفت إلى أن تأخر صرف مستحقات شركات المقاولات لدى الجهات الحكومية يُعد أحد أبرز التحديات الحالية، إلى جانب التشدد النسبي من جانب البنوك، ما ساهم في تعثر عدد من الشركات ماليًا خلال الفترة الأخيرة.
وطالب بضرورة مد مدد تنفيذ المشروعات الجارية لمدة لا تقل عن 6 أشهر، على غرار ما تم خلال أزمتي جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مع الإسراع في صرف المستحقات الحكومية، وإعادة جدولة مديونيات الشركات بالتنسيق مع البنوك.
كما شدد على أهمية صرف تعويضات فروق الأسعار بشكل دوري، بما يحد من الخسائر الناتجة عن تقلبات التكلفة، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تمثل ضرورة ملحة للحفاظ على استقرار قطاع المقاولات باعتباره أحد أهم محركات الاقتصاد.
اضطرابات الشحن
وقال محمد لقمة، رئيس مجلس إدارة شركة ديتيلز للمقاولات، إن اضطرابات سلاسل التوريد وفرض رسوم إضافية على الشحن البحري، المعروفة بـ«رسوم الحرب»، أدت إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد بشكل ملحوظ، ما دفع بعض المستوردين إلى تقليص حجم الواردات، وهو ما انعكس على توافر الخامات في السوق المحلي.
وأوضح أن هذه الاضطرابات أثرت بشكل مباشر على عدد من الخامات الأساسية، خاصة مكونات الأعمال الإلكتروميكانيكية، ومنتجات البلاستيك مثل خامات الـPVC المستخدمة في الكابلات وأعمال الكهرباء.
وأضاف أن غياب الرؤية الواضحة بشأن مدة استمرار الأزمة يجعل من الصعب على الشركات إعادة جدولة المشروعات أو تعديل خطط التنفيذ، في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على السوق العالمي.
أسعار مواد البناء المرتبطة بالطاقة
وأكد لقمة أن تكلفة التنفيذ ارتفعت حاليًا بنسب تتراوح بين 10% و15%، نتيجة زيادة أسعار الوقود بنحو 10%، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد البناء المرتبطة بالطاقة مثل الحديد والأسمنت بنحو 15%، ما ضاعف من الضغوط على الشركات العاملة في القطاع.
وأشار إلى أن الحكومة تتجه في الوقت الحالي إلى ترشيد الإنفاق عبر تأجيل طرح مشروعات جديدة أو تقليص مراحل التنفيذ في بعض المشروعات القائمة، دون إلغاء المشروعات الجارية.
وفي المقابل، لفت إلى استمرار النشاط داخل القطاع الخاص، خاصة في المشروعات العقارية الجديدة، مدفوعًا بتوقعات تحركات سعر الصرف، وهو ما يدفع بعض العملاء إلى الإقبال على الشراء باعتباره وسيلة للتحوط من تقلبات السوق.

