لماذا لايزور الأبناء البالغين الوالدين؟.. دراسة تجيب
في الآوانة الأخيرة زادت شكوى الأباء مع عدم زيارة أبنائهم بعد أن انفصلوا بحياتهم عنهم، ويمكن أن يكون الغياب بقصد أو بدون قصد فهو لايتعلق بالقسوة أو الإهمال كما يعتقد الأباء، ولكن دراسة حديثة كان لها رأى آخر نتعرف عليه في السطور التالية.
بحسب ما ورد في تقرير نشرته مجلة VegOut، يقول علم النفس إن الآباء حرصوا على إبقاء الأنوار مضاءة والثلاجة ممتلئة، لكنهم نسوا أن أبناءهم أيضاً بحاجة إلى أن يُروا، إن هناك نوعا من الآباء، الذين يفعلون كل شيء على أكمل وجه ظاهرياً. يعملون لساعات طويلة حتى لا ينقصهم شيء في المنزل، يدفعون تكاليف تقويم الأسنان والمخيم الصيفي ورسوم الجامعة، ثم في يوم من الأيام، في الستينيات من عمرهم تقريباً، ينظرون حولهم ويدركون أن أبناءهم البالغين نادراً ما يزورونهم. ليس لأنهم غاضبون، ولا لأن مكروهاً قد حدث، بل لأنهم ببساطة لا يبدون راغبين في التواجد معهم، يشعر الوالدان بالحيرة. لقد ضحوا بكل شيء، ووفروا لأبنائهم حياة كريمة. فلماذا تبدو العلاقة واجباً لا رابطة حقيقية؟
إن الإجابة، وفقاً لعدد متزايد من الأبحاث النفسية، هي أن توفير احتياجات الطفل والتواجد العاطفي معه أمران مختلفان تماماً. وقد أتقن العديد من الآباء المحبين ذوي النوايا الحسنة الأول، بينما لم يتعلموا أبداً كيفية القيام بالثاني.
شيء خفي مفقود

تقدم دكتورة جونيس ويب، وهي أخصائية نفسية سريرية كرست أكثر من عقدين من الزمن لدراسة ما تسميه الإهمال العاطفي في الطفولة، تمييزاً لم يفكر فيه معظم الآباء. تكتب ويب أن الإهمال العاطفي ليس فعلاً يقوم به الوالدان تجاه طفلهما، بل هو تقصير منهما تجاهه. إنه ليس حدثاً، بل هو غيابٌ تام. ولأنه غيابٌ لشيء ما، وليس وجوداً لشيء ضار، فإنه يكاد يكون من المستحيل إدراكه، سواءً بالنسبة للوالدين أو للطفل.
مشكلة متوارثة
كما تُوضح ويب في مقابلاتٍ حول بحثها، فإن الغالبية العظمى من الآباء المُهملين عاطفياً كانوا هم أنفسهم مُهملين عاطفياً في طفولتهم. فإذا كان الوالد يفتقر إلى القدرة على فهم مشاعر ابنه، فإنه سينشأ وهو يعاني من نفس النقص. لا يقتصر الأمر على عدم الاستجابة لمشاعر الأبناء، بل إنه لا يراها أصلاً. ولأنه لا يستطيع رؤية المشكلة، فإنه يعتقد حقاً أنه فعل كل شيء على أكمل وجه.
تُعرّف الأبحاث في مجال التوافر العاطفي في التربية بأنه يتجاوز مجرد تلبية الاحتياجات الجسدية للطفل. إنه يشمل قدرة الوالدين على خلق بيئة عاطفية إيجابية، تدعم الأمان والبقاء، إلى جانب التعلم والاستقلالية والنمو الشخصي والتواصل الحقيقي.
آباء منتصف القرن العشرين

بالنسبة للعديد من الآباء، وخاصةً الآباء الذين بلغوا سن الرشد في منتصف القرن العشرين، كان هذا النوع من التواصل العاطفي صعباً بل وكان غائباً عن المشهد الثقافي. كانت مهمة الأب هي الإعالة والحماية والتأديب، ومهمة الأم هي الرعاية، ولكن حتى هذه الرعاية كانت غالباً عملية أكثر منها عاطفية. كان يُتوقع من الأطفال إدارة مشاعرهم بأنفسهم أو تجاوزها مع الوقت. كانت الأسرة تُدار وفقاً للترتيبات العملية، لا بالحوارات حول مشاعر كل فرد، إن المشكلة هي أن الأطفال يحتاجون إلى الترتيبات العملية وإلى الشعور بأنهم مفهومون. وعندما يتخلى أحد الوالدين عن دوره، فإنه يُصبح مُهماً.
رغم وجود الطفل جسدياً، إلا أن مشاعره غائبة، فيتلقى رسالةً لا تُنطق بصوت عالٍ، لكنها تُستوعب في أعماقه هي أن مشاعره لا قيمة لها في المنزل وأن ما يشعر به في داخله ليس مهماً لمن يُفترض أن يهتموا به أكثر من غيرهم.
حيرة الآباء

إن ما يُثير حيرة الآباء المُهتمين هو أن أبناؤهم البالغون غالباً ما يعجزون عن التعبير عما يُزعجهم، فعند سؤالهم عن سبب عدم زيارتهم أكثر يقولون شيئاً غامضاً مثل: "لا أعرف، من الصعب التواجد هناك" أو "ليس لدينا ما نتحدث عنه حقاً".
إنهم لا يتهربون، بل ببساطة لا يملكون الكلمات المناسبة. فكما تُشير ويب، لا يُسجل الدماغ ما لم يحدث. إن الطفل الذي تعرض للضرب يتذكر تعرضه له، أما الطفل الذي تم تجاهل مشاعره باستمرار، فلا يملك ذكرى محددة يُشير إليها. ولذلك يكون لديهم مجرد شعور، إحساس خفيف بأن شيئاً ما ينقصهم، شعور مبهم بعدم الارتياح في وجود أحد الوالدين لا يستطيعون ربطه بأي حادثة محددة.
وبالتالي تكون تجربة زيارتهم للمنزل على هذا النحو مجرد محادثات سطحية. يسأل أحد الوالدين عن عملهم فقط، دون أن يسأل عن أحوالهم. إنه جو تتدفق فيه المواضيع العملية بسلاسة، بينما تُكبت أي مشاعر.

