الشرق الأوسط بين خطاب الاستشراق وتحولات الواقع: قراءة في تصريحات توم براك
أعادت تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص بسوريا، توم براك، أمام البيت الأبيض مؤخرًا جدلًا قديمًا متجددًا حول كيفية رؤية واشنطن للشرق الأوسط. فالرجل لم يكتفِ بطرح ملاحظات دبلوماسية أو مواقف سياسية، بل قدّم خطابًا يكرّس صورة استشراقية تقليدية ترى المنطقة مجرد "قبائل وقرى" رُسمت حدودها على مقاس القوى الاستعمارية بعد سقوط الدولة العثمانية. تصريحات براك لم تكن زلّة لسان، بل هي امتداد لسردية غربية عمرها أكثر من قرن ونصف، تختزل مجتمعات الشرق الأوسط في ما قبل الدولة، وتنفي عنها مشروعية الوجود القومي الحديث.
لكن، هل ما زال من المقبول قراءة المنطقة بعيون القرن التاسع عشر، بينما تشهد تحولات اقتصادية وسياسية وحضارية تجعلها لاعبًا فاعلًا في المشهد الدولي؟
أولًا: خطاب براك وإعادة إنتاج الاستشراق
عندما تحدث براك عن أن الشرق الأوسط ليس سوى "فسيفساء من قبائل وقرى"، فإنه في الواقع أعاد إنتاج خطاب استشراقي صاغه مفكرون ورحالة غربيون في القرن التاسع عشر مثل "إدوارد وليم لين" و"جيرترود بيل"، الذين قدّموا الشرق باعتباره فضاء جامدًا لا يعرف الدولة الحديثة ولا يمتلك مقوماتها.

هذا الخطاب الاستشراقي ينطلق من فرضية أن الانتماء في المجتمعات العربية يبدأ من العائلة والقبيلة والطائفة، لا من الدولة. وهو منظور استعلائي يستبعد أي إمكانية لتطور طبيعي لمفهوم الدولة القومية في المنطقة، ويؤكد أن الشرق الأوسط يظل "أرضًا بلا تاريخ سياسي مستقل"، على حد تعبير بعض الكتاب الغربيين.
لكن قراءة بسيطة للواقع تكشف أن هذا الطرح يتجاهل تجارب الدول العربية التي نجحت في بناء هياكل دولة قومية منذ منتصف القرن العشرين، حتى وإن واجهت تحديات كبرى. فالدول العربية لم تُنشأ على الورق فقط، بل هي امتداد لتاريخ سياسي عميق، من مصر الفرعونية إلى العراق البابلي، ومن الدولة الأموية إلى العباسية والعثمانية.
ثانيًا: الشرق الأوسط يتجاوز حدود الوهم الجغرافي
حين زعم براك أنه "لا وجود لشرق أوسط حقيقي"، بدا كمن يتغافل عن حقائق راسخة. فالمنطقة لم تُخلق فقط من رحم سايكس–بيكو عام 1916، بل هي نسيج حضاري وثقافي قائم على إرث تاريخي ممتد:
مصر: حاضنة حضارة فرعونية عريقة، ودور ثقافي وسياسي رائد عربيًا وإفريقيًا، والعراق: مهد الحضارات القديمة، من بابل إلى آشور، وأرض الرافدين، وفلسطين: قلب تاريخي وديني يربط بين قارات وثقافات، والمملكة العربية السعودية: مركز روحي للعالم الإسلامي، وموطن الحرمين الشريفين.هذا التنوع الحضاري لم يكن يومًا عائقًا أمام بناء الدولة، بل مثّل قاعدة لتعددية سياسية وثقافية، على عكس ما يروّجه الخطاب الغربي.
ثالثًا: تحولات المنطقة تفكك الخطاب الاستشراقي
الخطاب الغربي التقليدي يحاول دائمًا أن يصوّر المنطقة كمكان جامد، أسير صراعات لا تنتهي. لكن الواقع يقول عكس ذلك. فخلال العقد الأخير فقط، شهدت المنطقة تحولات
استراتيجية عميقة تعكس قدرة دولها على إعادة صياغة مستقبلها:
مصر: إطلاق العاصمة الإدارية الجديدة، وشبكات الطرق العملاقة، وتوسيع البنية التحتية، كلها مشاريع تعكس طموحًا لبناء نموذج عمراني حديث يجذب الاستثمارات ويعزز مكانة الدولة، والسعودية: رؤية 2030 أطلقت مشروعًا شاملًا يتجاوز الاعتماد على النفط، ويدفع نحو تنويع الاقتصاد عبر قطاعات السياحة والترفيه والتكنولوجيا، فضلًا عن استضافة أحداث عالمية كبرى مثل "إكسبو 2030" و"كأس العالم 2034"، والإمارات: تحولت إلى مركز عالمي للمال والأعمال والثقافة، واستضافت "إكسبو دبي 2020" بمشاركة 191 دولة، ما عزّز مكانتها في النظام الاقتصادي الدولي، وقطر: تنظيم "كأس العالم 2022" لم يكن مجرد حدث رياضي، بل تجسيد للقوة الناعمة العربية، ورسالة بأن المنطقة قادرة على إدارة أكبر الفعاليات العالمية.
هذه الأمثلة تكفي لإظهار أن المنطقة ليست رهينة الماضي، بل هي في قلب تحولات كبرى تقوّض الصورة النمطية التي يكرسها الخطاب الاستشراقي.
رابعًا: ما قبل الدولة ليس حكرًا على الشرق الأوسط
من النقاط التي يكرّرها الخطاب الغربي أن الولاء القبلي أو الطائفي يعيق بناء الدولة في الشرق الأوسط، لكن التاريخ يكشف أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على المنطقة:
أوروبا: حتى القرن الخامس عشر، كانت الكنيسة وسلطة الإقطاع تتحكم في ولاءات الناس، ولم يبدأ مفهوم الدولة القومية إلا بعد الثورة الفرنسية عام 1789، والصين: قبل توحيدها في عهد أسرة "تشين" بالقرن الثالث قبل الميلاد، عاشت ولاءات متفرقة للأسر الحاكمة المحلية، واليابان: خلال عصر الساموراي والشوغونية، كان الانتماء للعشيرة والإقطاعية أقوى من الدولة المركزية، وأمريكا اللاتينية: حتى بعد الاستقلال من الاستعمار الإسباني والبرتغالي، استمرت الولاءات العرقية والدينية عقودًا قبل أن تستقر الدول القومية. إذن، ما قبل الدولة مرحلة طبيعية في مسار تطور المجتمعات، وليست عيبًا بنيويًا خاصًا بالشرق الأوسط كما يلمّح الخطاب الاستشراقي.
خامسًا: وحدة الموقف السياسي ليست وهمًا
من الانتقادات التي وجّهها براك أن دول المنطقة لا تستطيع التوحّد سياسيًا. لكن الوقائع تثبت العكس:الموقف العربي من الحرب على غزة مثّل اصطفافًا في وجه الممارسات الإسرائيلية، حتى مع اختلاف التفاصيل، ومجلس التعاون الخليجي يمثّل نموذجًا للتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين دول الخليج، وجامعة الدول العربية رغم ما تواجهه من تحديات، تبقى إطارًا جامعًا للتنسيق والتشاور، وقمة العلا 2021 أنهت قطيعة خليجية استمرت سنوات، وأعادت الوحدة للمجلس، وعودة سوريا للجامعة العربية 2023 عكست رغبة جماعية في تجاوز الانقسامات وتوحيد الصف.
هذه الأمثلة تثبت أن المنطقة ليست مجرد فسيفساء متناثرة، بل قادرة على إنتاج توافقات استراتيجية عند مواجهة التحديات الكبرى.
سادسًا: لماذا يتمسكون بالخطاب الاستشراقي؟
السؤال المهم: لماذا يصرّ بعض المسؤولين الغربيين على تكرار هذا الخطاب؟ يمكن تفسير ذلك عبر ثلاثة أبعاد:
البعد الأيديولوجي: الاستعلاء الثقافي المتجذر في الفكر الغربي، الذي يرى نفسه مركزًا للحضارة، والآخرين مجرد توابع.
البعد الاستراتيجي: تصوير المنطقة كضعيفة وهشّة يبرر التدخل الخارجي، سواء عبر القواعد العسكرية أو الهيمنة الاقتصادية والسياسية.
البعد الإعلامي: الخطاب الاستشراقي يخدم الرأي العام الغربي الذي اعتاد رؤية الشرق الأوسط كمنطقة أزمات، ما يسهّل تمرير سياسات التدخل.
الخاتمة: نحو خطاب جديد عن الشرق الأوسط
ما قاله توم براك ليس إلا تكرارًا لخطاب استشراقي عفا عليه الزمن. المنطقة اليوم ليست مجرد خرائط سايكس–بيكو ولا ولاءات ما قبل الدولة، بل فضاء حضاري–سياسي قادر على إنتاج مشاريع تنموية عملاقة، ونسج تحالفات استراتيجية، وصياغة مواقف موحّدة عند الحاجة.
لقد آن الأوان لصياغة خطاب جديد عن الشرق الأوسط يقوم على ثلاث سرديات رئيسية:
السردية التنموية: إبراز التحولات الاقتصادية والمشاريع العملاقة.
السردية الحضارية–الثقافية: التأكيد على الإرث التاريخي والثقافي الممتد.
السردية السياسية–الاستراتيجية: الإقرار بأن الخلافات لا تلغي القدرة على التوافق والتنسيق.
الشرق الأوسط إذن ليس "قبائل وقرى" كما يزعم البعض، بل منطقة في قلب التحولات العالمية، تسعى لإعادة رسم موقعها في النظام الدولي بعيدًا عن الصور النمطية التي يصرّ الغرب على إعادة تدويرها.
سمر حسن
باحثة دكتوراة ومتخصص في الاتصال السياسي



