كيف يتحول الاقتصاد غير الرسمي من تهديد صامت إلى فرصة ذهبية؟| تقرير
في قلب الاقتصاد المصري يكمن الاقتصاد غير الرسمي، قطاع ضخم يراوح بين كونه منقذًا مؤقتًا في أزمات الحياة اليومية وكونه قنبلة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فهو يستفيد من الطرق والكهرباء والمرافق العامة دون مقابل، ويتملص من الضرائب والقوانين، ما يضع عبئًا مضاعفًا على الدولة والمجتمع الرسمي.
ومن خلال السطور التالية، يرصد لكم موقع «إيجبتك» آراء خبراء الاقتصاد والمتخصصين حول دور الاقتصاد غير الرسمي في الناتج المحلي وتأثيره عليه، مع التركيز على السؤال الأهم،: كيف يمكن تحويل هذا العملاق الخفي من عبء مستمر إلى قوة دافعة للاقتصاد، تعزز الإنتاجية، وتحقق العدالة، وتضمن مستقبلًا مستدامًا لمصر؟
أكد الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل على المدى الطويل أزمة مزمنة تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء.
الاقتصاد غير الرسمي
وأوضح الشرقاوي، في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، أن نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي غير مسجل وغير متعامل مع القنوات الرسمية، ويتهرب من دفع الضرائب، في حين يظل المجتمع بأكمله بحاجة إلى خدمات الدولة من بنية تحتية، طرق، كهرباء، طاقة، وصحة، وهو ما يضع عبئًا على الاقتصاد الرسمي.
وأشار الشرقاوي، إلى أن الاقتصاد غير الرسمي أصبح في بعض الأزمات قاعدة أساسية للحياة الاقتصادية اليومية، كما حدث في أحداث عام 2011، لكنه شدد على أن هذا لا يمكن اعتباره قاعدة عامة لأي اقتصاد مستقر.
دمج جميع القطاعات
وقال الشرقاوي، الدولة التي تخطط اقتصادها استراتيجيًا وتعمل على دمج جميع القطاعات، تحتاج إلى اقتصاد رسمي يحقق العدالة في توزيع الموارد وتحصيل الضرائب."
تقديرات الاقتصاد الغير رسمي في مصر
وأوضح أن مصر ما زالت تواجه نسبة عالية من الاقتصاد غير الرسمي، إذ تصل تقديراته إلى حوالي 60% من النشاط الاقتصادي، مقابل 40% رسمي، رغم تحسن الوضع مقارنة بالماضي.
تطبيق نظم الدفع الإلكتروني
وأكد أن تطبيق نظم الدفع الإلكتروني وفتح الحسابات البنكية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل خطوة مهمة نحو جذب الاقتصاد غير الرسمي للقطاع الرسمي، لكنه ما زال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتحفيز.
تقنين القطاع غير الرسمي
وحول كيفية تقنين القطاع غير الرسمي، أوضح الشرقاوي، أن غياب قواعد بيانات دقيقة يعوق قدرة الدولة على جمع الضرائب وتقديم الخدمات بشكل فعال.
وأضاف أن هناك حاجة إلى حوافز ضريبية وتشجيع تدريجي، مع الحفاظ على حقوق العاملين في القطاع غير الرسمي، لزيادة التزامهم بالقوانين دون اللجوء إلى الأساليب القسرية فقط.
انعكاسات الاقتصاد غير الرسمي على العمالة والأجور
وتطرق إلى انعكاسات الاقتصاد غير الرسمي على العمالة والأجور، موضحًا أن معظم العاملين في هذا القطاع لا يحصلون على تأمين صحي أو معاشات أو حقوق ثابتة، ما يؤدي إلى استدامة نسب البطالة غير الرسمية ويزيد من عدم الاستقرار الاجتماعي.
مزيج من التحفيزات المالية والقانونية
وأكد الشرقاوي، أن الدروس المستفادة من تجارب دول مشابهة لمصر، مثل الهند، تشير إلى أن ترغيب القطاع غير الرسمي للاندماج بالاقتصاد الرسمي عبر مزيج من التحفيزات المالية والقانونية، أفضل من الاعتماد على الترهيب فقط.
وأضاف أن إدخال هذا القطاع في الإطار الرسمي يزيد من الإنتاجية ويحقق عدالة اقتصادية ويحسن مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي، ويعزز قدرة الدولة على التخطيط المستقبلي."
شدد الشرقاوي، على أن ربط الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية بالاقتصاد الرسمي يعد ركيزة أساسية لتشجيع القطاع غير الرسمي على التحول، مع التأكيد على أهمية بناء بنية تحتية رقمية قوية لدعم التعاملات البنكية والمدفوعات الإلكترونية.
وفي ذات قال الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يشكل أزمة مزمنة نتيجة عدم دمجه مع الاقتصاد الرسمي، موضحًا أن المستفيد الأول والأخير من هذا القطاع هم أصحاب الأعمال، في حين تستفيد الدولة من الخدمات والبنية التحتية دون مقابل.
الاقتصاد غير الرسمي في مصر
وأوضح شعيب، في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك» أن الدولة أنفقت خلال العقد الماضي نحو 10 تريليونات جنيه على البنية التحتية، بما يشمل الطرق والكباري والمرافق والطاقة والصرف الصحي وتكنولوجيا المعلومات، إلا أن الاقتصاد غير الرسمي يستفيد من هذه الاستثمارات دون دفع ضرائب أو مقابل، بل وأحيانًا يمارس مخالفات كسرقة الكهرباء والمرافق، ما يمثل ضغطًا اقتصاديًا كبيرًا.
مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي
وأضاف أن الاقتصاد غير الرسمي يعيق قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي، فعلى سبيل المثال، في قطاعات مثل صناعة الملابس والأحذية والزراعة، لا تمتلك الدولة بيانات دقيقة عن حجم الإنتاج أو الفجوات في السوق، ما يؤدي إلى كوارث اقتصادية محتملة ويؤثر على دقة مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف.
دمج الاقتصاد غير الرسمي
وأشار شعيب، إلى أن دمج الاقتصاد غير الرسمي مع الرسمي يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، موضحًا أن حجم الاقتصاد غير الرسمي يقدر بنحو 35% إلى 40% من الاقتصاد الرسمي، بينما يرى هو أن النسبة الحقيقية قد تتجاوز حجم الاقتصاد الرسمي بأكمله، خاصة وأن معظم المشروعات في مصر صغيرة ومتوسطة الحجم ولا تعرف الدولة عنها شيئًا.
منتجات مجهولة المصدر أو مغشوشة
وحول القطاعات الأكثر نشاطًا في الاقتصاد غير الرسمي، أوضح شعيب، أنها تشمل كافة القطاعات الصناعية والزراعية، بما في ذلك صناعة الأغذية والملابس والمشروبات، حيث تنتشر منتجات مجهولة المصدر أو مغشوشة في الأسواق الشعبية والمجمعات الاستهلاكية، ما يمثل خطرًا على صحة المستهلكين وجودة المنتجات.
أبرز المخاطر المرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي
وأكد شعيب، أن أبرز المخاطر المرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي تشمل الغش التجاري وضعف مراقبة الجودة، بالإضافة إلى استغلال العمالة بدون تأمينات أو حقوق، ما يجعل صاحب العمل هو المستفيد الوحيد من هذا القطاع، بينما تتحمل الدولة برامج الحماية الاجتماعية والصحية لتغطية النقص.
سبل دمج الاقتصاد غير الرسمي
وحول سبل دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا مع الاقتصاد الرسمي، أشار شعيب، إلى وجود شقين أساسيين: الترهيب والترغيب، مؤكدًا أن تطبيق القوانين بشكل صارم ضد المخالفين وتفعيل العقوبات على من لا يمتلك سجلًا تجاريًا أو بطاقة ضريبية هو جزء من الحل، وفي الوقت نفسه، يمكن تقديم حوافز مالية مثل الإعفاء الضريبي لفترة محددة وتشجيع المبادرات الحكومية التي تستهدف دمج أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في النظام الرسمي، بما يضمن حماية صحة المستهلكين وتنظيم السوق.
وأكد شعيب، أن تجارب دولية مثل الهند أثبتت إمكانية دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا مع الرسمي من خلال سياسات مرنة تجمع بين الضغط القانوني والحوافز المالية، مما يساهم في تعزيز الإنتاجية ورفع دقة المؤشرات الاقتصادية الوطنية، وتقوية قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي المستدام.

