رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إعادة التوازن الأمريكي: من عبء الانخراط العسكري إلى دبلوماسية الوساطة

المبعوث الأمريكي
المبعوث الأمريكي توماس باراك

يُعدّ الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم الجغرافية اضطرابًا في النظام الدولي، حيث تتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع التوازنات الإقليمية المتشابكة. وعلى مدى عقود، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا بوصفها الضامن الأمني الأول للمنطقة، سواء من خلال قواعدها العسكرية المنتشرة في الخليج، أو دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل، أو عبر تدخلاتها المباشرة كما حدث في العراق وأفغانستان.

غير أنّ تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، عبر شبكة سكاي نيوز، جاءت لتعكس ملامح تحوّل في أولويات واشنطن. إذ وصف باراك فكرة السلام في المنطقة بأنها "وهم"، وأكد أن النفط لم يعد عنصرًا أساسيًا في علاقة بلاده بدول الخليج، مشيرًا إلى أن الدور الأمريكي قد يقتصر مستقبلًا على الوساطة وتسهيل الاتفاقات، لا على ضمان أمن الدول أو التدخل عسكريًا بالنيابة عنها.

تُطرح هذه التصريحات في لحظة إقليمية حرجة: تصاعد التوتر في لبنان حول سلاح حزب الله، تعقيدات المشهد السوري، استمرار الحرب في غزة، فضلًا عن انشغال واشنطن المتزايد بمنافسة الصين وروسيا. وهو ما يجعل البحث في إعادة التموضع الأمريكي ضرورة لفهم معادلة القوة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

أولًا: خلفيات التحول في الاستراتيجية الأمريكية

(أ) تراجع أهمية النفط

لطالما كان النفط هو المحدد الأساسي لانخراط الولايات المتحدة في المنطقة منذ أربعينيات القرن الماضي. غير أن ثورة النفط الصخري في العقد الأخير، والاكتفاء الذاتي النسبي لواشنطن، أفقد الطاقة الشرق أوسطية أهميتها السابقة. وهذا ما فسّره تصريح باراك بأن "النفط لم يعد أساسيًا" في علاقة أمريكا بالخليج.

(ب)  الانهاك العسكري بعد 7 أكتوبر

بعد هجمات حماس في أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب غزة، أرسلت واشنطن أكثر من 40 ألف جندي إلى المنطقة، إضافة إلى حاملات طائرات وسفن وغواصات. وقدّر البنتاجون تكلفة هذا الانتشار بنحو 1.6 مليار دولار خلال أربعة أشهر فقط، مع توقعات بارتفاعها إلى 2.2 مليار سنويًا إذا استمر التصعيد. هذا الاستنزاف يضغط على ميزانية الدفاع ويحدّ من قدرة أمريكا على مواجهة أولوياتها في آسيا.

(ج)  أولوية مواجهة الصين وروسيا

تعتبر واشنطن أن التهديد الأكبر لمكانتها الدولية يتمثل في الصعود الصيني ومحاولات روسيا توسيع نفوذها. إلا أنّ الانشغال في الشرق الأوسط يقيّد قدرتها على التركيز على بحر الصين الجنوبي أو دعم الحلفاء الآسيويين. لذلك، فإن التوجه لتقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط يرتبط مباشرة بالرغبة في تحرير الموارد لمواجهة التحديات الكبرى.

ثانيًا: انعكاسات الرؤية الأمريكية على الساحات الساخنة

(أ)  لبنان وسلاح حزب الله

طالب باراك الحكومة اللبنانية بخطوات عملية لحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما دفع رئيس الوزراء نواف سلام لتبنّي خطة من خمس مراحل للجيش. هذه المطالب تكشف رغبة واشنطن في دفع لبنان إلى المواجهة المباشرة مع حزب الله، لكن دون ضمان أمريكي كامل لأمن الدولة. أي أن الدعم سيكون مشروطًا ومرتبطًا بالخطوات اللبنانية نفسها.

  توماس باراك مع الرئيس اللبناني
  توماس باراك مع الرئيس اللبناني

 

(ب) سوريا ومأزق التوازن

الملف السوري لا يزال ساحة صراع بين روسيا وإيران وتركيا، ومع تصريحات باراك التي توحي بتراجع الدور العسكري الأمريكي، يبدو أن واشنطن تميل إلى لعب دور الوسيط أكثر من كونها طرفًا فاعلًا عسكريًا. إلا أن هذا الانسحاب النسبي قد يتيح لروسيا وإيران هامشًا أوسع لتعزيز نفوذهما.

(ج)غزة ومعضلة إسرائيل

انتقد باراك التصرفات الأحادية لنتنياهو، مثل قصف وفد حماس في الدوحة، معتبرًا أنها تُهدد بتوسيع دائرة الصراع. ورغم استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، إلا أن واشنطن باتت ترى في سياسات نتنياهو عامل تهديد لاستقرار المنطقة، ما قد يفرض عليها التوازن بين تحالفها التاريخي مع تل أبيب ورغبتها في تجنّب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

 

  توماس باراك مع الرئيس السوري
  توماس باراك مع الرئيس السوري

ثالثًا: معادلة الولايات المتحدة – إسرائيل

العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية لطالما مثلت حجر الزاوية في الاستراتيجية الأمريكية. لكن في عهد نتنياهو، أصبحت واشنطن تواجه معضلة: كيف تحافظ على أمن إسرائيل من جهة، دون أن تدفع ثمن سياساتها الأحادية من جهة أخرى.

تصريحات باراك تكشف إدراكًا أمريكيًا أن إسرائيل قد تتصرف دون تنسيق، بما يهدد مصالح واشنطن. ومع ذلك، لا يبدو أن الدعم الأمريكي سيتراجع جذريًا، بل قد يأخذ شكل الضغط السياسي لإجبار إسرائيل على مراعاة الخطوط الحمراء.

رابعًا: فاتورة الانخراط العسكري

تشير تقديرات البنتاجون إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بات عبئًا ثقيلًا، ليس فقط من الناحية المالية، وإنما أيضًا على مستوى الرأي العام الأمريكي الذي يرفض "حروبًا بلا نهاية".

في إطار انتشار القوات في أكثر من 10 دول، والتكاليف السنوية التي تتجاوز مليارات الدولارات، مع خطر التورط في صراعات إقليمية لا يمكن حسمها عسكريًا.هذه المعطيات تفسّر حديث باراك عن الاكتفاء بالدور الدبلوماسي، فالتكلفة العسكرية لم تعد مقبولة في ظل أولويات أكبر.

خامسًا: من القوة الصلبة إلى الدبلوماسية

التحول الذي ألمح إليه باراك يندرج ضمن ما يسميه الباحثون في العلاقات الدولية "إعادة التوازن بين القوة الصلبة والناعمة". فالولايات المتحدة لم تعد راغبة في لعب دور "الشرطي"، بل تفضل أن تكون "الوسيط"، مستخدمة أدوات مثل: الضغط الاقتصادي والعقوبات، والتحالف مع قوى إقليمية (الخليج، مصر، تركيا)، وتشجيع التفاهمات المحلية بدل التدخل المباشر.هذا التحول لا يعني انسحابًا كاملًا، بل إعادة صياغة الدور بما يخفف الأعباء ويضمن استمرار النفوذ.

 

سادسًا: القوى الإقليمية الصاعدة في ظل الفراغ الأمريكي

1-  إيران: ترى طهران أن أي تراجع أمريكي يفتح أمامها المجال لتعزيز حضورها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهي توظف وكلاءها الإقليميين لتعويض ضعفها الاقتصادي والعسكري المباشر.

2- تركيا: تحاول أنقرة تقديم نفسها كقوة بديلة قادرة على الوساطة والتدخل العسكري في آن واحد. ومع تراجع النفوذ الأمريكي، قد تجد فرصة لتوسيع دورها في شمال سوريا وشرق المتوسط.

3-الخليج ومصر: قد يُطلب من هذه الدول لعب دور أكبر في ضمان استقرار المنطقة، سواء عبر التمويل أو التدخل العسكري. لكن ذلك قد يضعها أمام ضغوط داخلية وخارجية كبيرة.

سابعًا: سيناريوهات مستقبلية

(أ) انسحاب تدريجي: تقليص الوجود العسكري والاكتفاء بالدبلوماسية.

(ب) تقاسم الأعباء عبر الحلفاء: منح الخليج وتركيا ومصر دورًا أكبر في إدارة الأزمات.

(ج) إدارة الأزمات من بعيد: التدخل الأمريكي فقط عند تهديد مباشر للمصالح.

السيناريو المرجح هو الجمع بين الثاني والثالث، أي الاعتماد على الحلفاء مع الاحتفاظ بالقدرة على التدخل السريع عند الضرورة.

تصريحات توماس باراك ليست مجرد موقف شخصي، بل تعكس اتجاهًا أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي. فواشنطن، المثقلة بتكاليف الحروب ومواجهة القوى الكبرى، لم تعد ترى في الشرق الأوسط ساحة مركزية كما في السابق. ومع ذلك، فإن الانسحاب الكامل مستبعد، نظرًا لأهمية إسرائيل وأمن الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب.

إذن، نحن أمام مرحلة إعادة تموضع، تنتقل فيها الولايات المتحدة من عبء الانخراط العسكري المباشر إلى دبلوماسية الوساطة، معتمدة على الحلفاء الإقليميين لضبط التوازنات. هذه المرحلة قد تفتح المجال أمام قوى أخرى – كإيران وتركيا – لمحاولة ملء الفراغ، ما يجعل مستقبل الشرق الأوسط مرهونًا بقدرة واشنطن على تحقيق التوازن بين الانسحاب والحضور، وبين مصالحها الكبرى واستقرار المنطقة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء