رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطبة الجمعة القادمة كاملة ومكتوبة.. تعرف عليها

خطبة الجمعة
خطبة الجمعة

حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة، التي توافق 8 شوال 1447هـ، 28 مارس 2026م. لتكون تحت عنوان "التوعية بمخاطر الانترنت وأبرزها التحرش الإلكتروني" وتكون الخطبة الثانية عن موضوع بعنوان "التحذير من الألعاب الإلكترونية الضارة بالأطفال".

موضوع خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فإن من أخطر الجرائم المعاصرة التي أخذت تنخر في جسد المجتمعات وتؤرق ضمائر العقلاء؛ جريمةَ التحرّش الإلكتروني، ذلك السلوك المنحرف الذي يُقصد به تعمُّد إيذاء الآخرين عبر الوسائط الرقمية (وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، تطبيقات الدردشة)، من خلال الرسائل غير اللائقة، أو الابتزاز، أو نشر الصور والمعلومات الخاصة، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإفساد والإضرار.

وهذا الصنيع في ميزان الشريعة الإسلامية سلوكٌ محرّم؛ لما يتضمنه من انتهاكٍ للأعراض، وخدشٍ للحياء، وعدوانٍ على الكرامة الإنسانية، وقد جاءت النصوص الشرعية مؤكدةً صيانة العرض، ومشددةً في تحريم كل ما يؤدي إلى انتهاكه قولًا أو فعلًا أو إشارة، وإليك بيان خطر هذه الجريمة وكيفية معالجة الشريعة الإسلامية لها.

إن التَّحَرُّش بجميعِ أَنْوَاعِهِ سواءٌ أكانَ لَفْظِيًّا أَوْ جَسَدِيًّا أَوْ بَصَرِيًّا أَوْ إِلِكْتْرُونِيًّا يُعد فِعْلًا مُحَرَّمًا شَرْعًا، وَجَرِيمَةً تُنَافِي مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ العِرْضِ وَصِيَانَةِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، فالإسلامُ دينُ الطُّهْرِ وَالعِفَّةِ، وَقَدْ جَاءَتِ النُّصوصُ القُرآنِيَّةُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تُؤَكِّدُ حُرْمَةَ كُلِّ مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَتُشَدِّدُ فِي الوَعِيدِ عَلَى فَاعِلِهِ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨]، فهذه الآيةُ تُحَرِّمُ كُلَّ أَذًى يُوَجَّهُ إِلَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّحَرُّشُ الجِنْسِيُّ بِكُلِّ صُوَرِهِ، وقالَ: {قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن} [الأعراف: ٣٣] [المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف المصرية].

صور التحرش الإلكتروني

ومن صور التحرش الإلكتروني: التشهير الرقمي "وتحسبونه هينا" وحذَّر القرآن الكريم من هذا المسلك تحذيرًا بالغًا، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون}[النور: ١٩]، فكيف بمن لا يكتفي بالمحبة، بل يُسهم فعلًا في نشرها، ويُروّج لها عبر الفضاء الرقمي؟! إنَّ المتحرّش إلكترونيًا، ولا سيما من يتورّط في نشر الصور أو استخدامها وسيلةً للابتزاز، إنما يشارك في إشاعة الفاحشة، ويهدم سياج الحياء الذي به صلاحُ المجتمعات واستقرارها.

وكذلك الابتزاز الإلكتروني، هو من أخطر صور التحرّش الإلكتروني؛ حيث يستغلُّ ضعافُ النفوس الثقةَ أو الغفلة، فيهددون بنشر صورٍ أو رسائل، ليوقعوا الضحية في الحرام، أو ليستنزفوا مالها وكرامتها، وهذه جريمةٌ مركّبة، تجمع بين الظلم والخيانة والإيذاء، والله تعالى يقول: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: ١٩].

وقد قرَّر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدةً جامعة بقوله: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه الطبراني]، فكل ما فيه أذى للناس فهو محرَّمٌ مردود.

والتحرّش عبر الرسائل الإلكترونية، حيث يتسلّل المعتدي إلى ضحيته بكلماتٍ ماكرة، أو تهديدٍ خفيّ، أو استدراجٍ خبيث، قد ينتهي بابتزازٍ أو نشرٍ لخصوصياتٍ لا يجوز كشفها، وهذا من الفواحش الباطنة التي حذّر الله منها بقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: ١٥١]، لما فيه من انتهاكٍ للستر، واعتداءٍ على الحرمات.

والتفاعل مع مقاطع الرذيلة ونشرها، عبر منصّات التواصل، حيث يُسهم البعض -بقصدٍ أو بغير قصد- في إشاعة الفاحشة، وترويج الفساد، وإغراء النفوس بالمنكر، وقد توعّد الله على ذلك وعيدًا شديدًا، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون} [النور: ١٩]، فكيف بمن يبثّها، أو يروّج لها، أو يُعين على انتشارها؟!

إنها مسئوليةٌ عظيمة، فكلُّ من نشر شرًّا أو دلّ عليه، حمل وزره ووزر من تبعه، كما قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: ٢٥]، وقال تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: ١٣].

أضرار التحرش وعواقبه

الجمع بين المنكرات: والمُتَحَرِّش الذي أَطْلَق سهام شهوته جامعٌ بين منكرات، منها: استراق النظر، خَرْق خصوصية الغير، والإيذاء النفسي للضحية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَر» [متفق عليه].

التحرش من صفات المنافقين: بل إنَّ هذه الفِعْلة القبيحة من شأن المنافقين الذين قال الله فيهم : {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: ٦٠-٦٢].

شرار الخلق هم المتحرشون: ففحشهم يؤدي إلى اجتنابهم، والتحسس من التواصل معهم، قال صلى الله عليه وسلم : «إن شرَّ الناسِ منزِلةً عند الله يوم القِيامة: مَن ودَعَه أو ترَكَه الناسُ اتِّقاءَ فُحشِه» [رواه مسلم].

مراقبة الله في الخلوات: وإذا كان الشاب يعتقد أنه في الفضاء الإلكتروني لا يراه أحد وليس هناك رقيب على ما يقوم به، فهو مخطئ، لأن الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: ٥]، وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلَنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [غافر: ١٩]، وإذا كان الله عالمًا بكل شيء، ويحصي عليك ما تقوم به من قول وعمل، فإنه لا شك محاسبك على ما قمت به، وإن الجزاء من جنس العمل، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ – ٨].

وقال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: ١٠٨].

الخطبة الثانية: التحذير من الألعاب الإلكترونية الضارة بالأطفال

لم تَعُدِ الألعابُ الإلكترونيةُ مجرّدَ وسيلةِ ترفيهٍ عابرة، تُقضى بها أوقاتُ الفراغ، بل غدت -ولا سيما في عالم الأطفال- إدمانًا خفيًّا يتسلّل إلى العقول والقلوب، فيُهدّد مسارَ التربية، ويُضعِف البنيةَ الصحية، ويُربِك السلوكَ والتعلّم، فهي تأسرُ الطفلَ خلف الشاشات، وتستنزفُ انتباهه، وتسرقُ من عمره لحظاتِ النماء الحقيقي، حتى يغدو أسيرَ عالمٍ افتراضيٍّ يبعده شيئًا فشيئًا عن واقعه، وأسرته، وقيمه.

وتكمن الخطورةُ الكبرى في غياب الوعي المجتمعي الرشيد؛ حيث يُترك الطفلُ فريسةً لهذه الوسائل بلا توجيهٍ ولا رقابة، فتتسلّل إليه أنماطٌ سلوكيةٌ غريبة، وقد تُغذّي فيه العزلةَ، أو العنفَ، أو التبلّدَ العاطفي، فضلًا عمّا تخلّفه من آثارٍ صحية كإجهاد البصر، واضطراب النوم، وضعف النشاط البدني.

ومن هنا تبرز الحاجةُ الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الاستخدام الواعي، وتحديد أوقاتٍ منضبطة للعب، واختيار المحتوى المناسب، وتعويض الطفل ببدائل نافعة تُنمّي مهاراته، وتُغذّي روحه، وتُعيد التوازن إلى يومه، فالتكنولوجيا نعمةٌ إن أُحسن توجيهها، ونقمةٌ إن تُركت بلا ضابط، والطفلُ أمانة، ومسئوليته تقتضي أن نصنع له واقعًا يوازن بين المتعة والنماء، وبين الترفيه والبناء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء